الثلاثاء، 24 نوفمبر 2020

 .................

إدريس بندار

........



ثلاثة وجوه لمراكش ( مستهلمة من رواية ثلاثة وجوه لبغداد
======================================
للروائي غالب هلسة ).
=============
... هي وجه واحد ومرايا عديدة ،هي حنين مجهض وأوجاع عنيدة ،هي نوبة هذيان قسري أصاب ذاكرة الحمام ،على طول الشارع المتوجس أقف متسائلا عن جدوى الحب في زمن العصيان ،وعن معنى الكرامة في زمن الذل والهوان ،تقف هناك شامخة مشرئبة نحو تاريخ مضى ،تتأمل جراحها المثخنة بسيوف الخلفاء ،وتقرأ في نفسها أية الخضوع ،تشدني من يدي وتدخلني عنوة في غمرة التشظي تحكي وتحكي ثم تجهش بالصهيل ،أضمها بين ذراعي وأهدهدها كطفل خائف علها تنام ، وتستعصي على الإدراك ،أحاول جادا فك غموضها ،هي تلك المدينة التي حار فيها الانتروبولجيون وعجز الفلاسفة في تشكيل أبجديات اسمها ،فمن تكون ؟
هي مراكش ... قيل أن اسمها راجع إلى كلمة مُرَّ كُشْ أي مر سريعا دون بطء،وأنا الآن أمر ببطء عنوة نحو تاريخ بقيت الشواهد فيه دون هوية ... حتى الأسماء واراها التجهيل وبقيت واجمة تستجدي هواة الصور وجمَّاع الطوابع البريدية : قصر البديع - قصر الباهية – قبر يوسف بن تاشفين – قبة المرابطين ... وبقي قبر اليهودي في الواجهة يتحرش في دنس على بهاء روحك الطاهرة ،لم أشأ البوح سيدتي إلا في حضرة الغياب وأنا حفيد أبو مهدي عيسى بن الحسن أتشرف بالموت شوقا في حضرة رجالك السبعة الذين تحولوا إلى شواهد من أسمنت مسلح ،وأغتسل في طهر عذرائك المتمردة الزهراء الكوش في تذلل ،أرى وجهك في وجوه الكادحين والباحثين عن الانعتاق من سحرك القاهر ،أراك دموعا تتقاذفها الحكايات المؤودة في أفواه الحكواتيين والحلايقية ومروضي الثعابين ،وفي رقصات المخنثين في حلقة الشريف العيساوي ،وفي صيحات المسيح الحبلى بالتمزق ،وفي مساحيق العذراى وهي تنثال من وجوههن في غنج ،وفي تجاعيد العوانس المرابطات خلف اسيجة الرياضات ،يبحثن عن مخلص يحررهن من شرنقات الانتظار ،ما أتعس من يحلمون فيك برغيف يابس مع كرامة مستعصية ،ما أوحش الغربة في بيوت المحبين وهم يبحثون عن شفاه متعطشة للقبلات ، وما أكثر الشفاه المندحرة في أرجل المارة تلفظهن أفواه الغواية ، فهي لا تعرف معنى الشوق والحنين ، وحنيني إليك سيدتي أقسى من غربتي فيك ،فلا زلت انتظر تأشرة العبور نحوك،نحو تباشير الصلوات المسبية في زوايا الكتبية ،وهي تكفكف دموع العذراء بمنديل الحسرة على زمن ولى ،وتلك الصومعة أضحت وهي تطل من أعلى ملجأ للباحثين عن صكوك الغفران في فلوات الضلال المقفرة .
تتنفس الكتبية من عبق التاريخ القادم من عرصة مولاي عبد السلام التي كانت ذات حلم خاتم عرس في أصابع الفيودالية الحديثة ،وصارت اليوم حضنا تتلاقح فيه الثقافات النباتية من كل العصور.
هو العشق سيدتي من عمدني حتى صرت لاجئا بين دروبك الثكلى أحمل أسئلتي الحارقة وأبحث عما تبقى من نسل رجالك السبعة وعن أسفارهم المتسردبة في عمق الحكمة :
1. أبو العباس السبتي.
2. ابن سليمان الجزولي.
3. عبد العزيز التباع.
4. القاضي عياض.
5. الغزواني مول القصور.
6. سيدي يوسف بن علي.
7. الإمام السهيلي.
هؤلاء من تهجوا أبجديات العشق في محرابك حتى صاروا رياضا وارفة ترخي ظلال السلام على جراحك المثخنة ،تمنيت لو صرت واحدا منهم فأدرك معنى الاغتراب في حضرة الوطن ،ومعنى أن أتوضأ بالدم كي أصلي ركعات من العشق.

إدريس بندار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق