................
حشاني زغيدي
..............
قطف ثمار الأخوة
في غمرة الأيام و تقلباتها الجوية استحضرت عطر أيام خالية، كان لي فيها عواطف ندية ، و كان لي صحبة أحبهم ، جمعتني و إياهم أيام حلوة، كانت أحلى من الماء الزلال، الذي يذهب العطش، و يروي الفؤاد، كانت تلك الأيام كجداول و أنهار، تسقي المروج ؛ لكن المودات الجميلة لا تدوم بحال ، لأن هزات الزمن و تغيرات أحواله ، تذهب نضارة و بريق تلك المودات.
فمن شوق اللقاء، جلست مع صحبي، نسترجع أيامنا الحلوة، نسترجع عشرة عمرنا طويلة.
ضمني صاجيي إليه ضمة اشتياق ، ضمة وصال من يحب .
يقول صحبي يداعب الحنين : "أي أخي ،الذي لم تلده أمي، مذ باعدت بينا الأحوال و المشاغل، فارقت أرواحنا أنسها، و غاب طيفها المسلي ، فغابت أفراح خرجاتنا في البراري، حيث نقضي أجمل ساعاتها بين كثبانها الرملية ذات اللون الذهبي ، كانت أرواحنا تصفو بأوراد و أذكار، كنا نرددها كأصوات الحادي في الفيافي ، كنا نتفكر و نتأمل جمال سحر الطبيعة الخلاب، جمال صاغه خالق مبدع..
كنا في أيامها على خير ما يكون الأصحاب ، جمال خُلق ، سمت روحي ؛ يزينه بياض قلوب شفافة ، لا غل، لا حسد، لا مراء، لا جدل ، كنا في تواد و تراحم كمثل الجسد الواحد؛ كانت أيامنا مزينة بالأخوة الربانية، كنا في نعمة ليست كباقي النعم، ، و منحة و هدية لا تساويها هدايا البشر، عشنا أُلفة أوثقَ رابطتَها خالقُ السماء، فكانت محبة خالصة لوجهه تعالى .
فالأخوة في عقيدة المسلم أوثق عرى الإيمان .
قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم، كمثل الجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الأعضاء بالسهر والحمى".
تجملت أخوتنا باللطائف ؛ نحفظ العشرة، نرعى الود، نوفي العهد، نحفظ الحقوق و الواجبات، فكان الواحد منا يرى أخوته حصنا و سكنا ، صحن يقوى به الظهر و يحمى به الجانب ، تلك هي سمات صحبتنا يوم ذاك، كانت دفقة حنان موصولة بالسماء، نسعد بها و تسعد بنا.
نبني صرحها بناء قناعة مؤسسة ، يحفظها سند و فهم و عمل.
يقول الله تعالى : (إنما المؤمنون إخوة)
نؤدي حقوقها و نحفظ عهودها ، حبا في الله و طاعته، يقويها حرص و مراقبة حتى لا يعكر صفوها كدر و شوارد الأيام .
و ما ذهبت تلك الروح الطيبة و ما ضعفت إلا حين أصابت الروح غفلة عشناها ،و انصراف و سقوط في الوحل.
و في ختام اللقاء أبرق لي صحبي بالخلاصة العاصمة قال : إن أخوتنا شجرة طيبة، إن عهدناها بالرعاية أشرقت الشجرة بعد ذبول، وترعرعت ونمت بعد هجران ، إن وثّقنا صلتها بالمودة، نمت الشجرة الظليلة و أزهرت ، ثم أعطت أطيب ثمارها .
الأستاذ حشاني زغيدي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق