الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

 ...........

ياسر شلبي محمود

..............



المهدي
إنَّ المتأملَ في حياةِ البشرِ اليوميةِ ، فإنه قد يجدَ بوضوحٍ أنَّ أبغضّ شئٍ إلى المرءِ إنما هو الانتظارُ .. وإن كان الانتظارُ صعبًا على النفسِ في بضعِ دقائقٍ أو ساعاتٍ ، فلك أن تدركَ صعوبةَ انتظارٍ دام بدوامِ حياةِ أمةٍ .
ونحنُ إذ حينَ كتبنا مقالَ " تشخيصٍ " ، فإنه كان بدايةُ إنطلاقٍ للإشارةِ إلى هذا الموضوعِ " موضوعُ الانتظارِ " ، وبخاصةٍ انتظارِ " المهدي المنتظر " ، الذي عنيناهُ في " تشخيصٍ " بقولنا : أن الأمةَ تنتظرُ قطارًا لن يصلَ أبدًا ، على محطةٍ هي مِنَ الأصلِ محطةٌ وهميةٌ ، كما عنينا بهِ أيضًا انتظارَ المسيحِ ، وانتظارَ الدجالِ بينما هي تعيشُ بالفعلِ فتنتَه ولا تعي .. وتلكمُ هي الكارثةُ .
والانتظارُ في الأمةِ إنما هو نوعينِ من الانتظارِ كلاهما علقمٌ مرٌ ، وكلاهما مدمرٌ :
الأولُ ـ وهو الانتظارُ السلبيُ .. الذي تبنته الأمةُ في شقها السني على المستوى الرسمي والشعبي على السواءِ ، إذ اتخذتْ الحكوماتُ فيها استراتيجية " الموائمةِ السياسيةُ " التي يكونُ بمقتضاها " الإنحناءُ للريحِ " منهجًا وفكرًا وسياسةً ، ومكرًا وتقيةً وخداعًا ، حتى يأتي قدرُ اللهِ بإرسالِه " المهدي " ، ذلك المخلِّص الذي سيخلصُ اللهُ على يديه العبادَ والبلادَ قدرًا وليس عملًا ، كشأنِ الأنبياءِ في القَدَرِ ، غيرَ أنهم قد تغاضوا عن شأنِهم في العملِ .. ومِن ثم لزمَ لهذهِ المرحلةِ ( مرحلة الانتظارِ ) مسوغًا تمرُ هي مِن خلالِه هادئةً مستقرةً ، حتى إذا ما طالَ الانتظارُ كان هو الحاكمُ لحالةِ الركونِ إلى الراحةِ ، وإلى الخمولِ والاستسلامِ ، فكان السلامُ المزعومُ هو ذلك المسوغُ الذي تُسَوَّغ به كلُ أفعالِ الخزي والانحطاطِ كما هو مبينٌ بتوسعٍ في مقالنا " الخيط الرفيع " ، وأما نصيبُ الشعوبِ من هذا الانتظارِ السلبي ، فإنما تمثل في عمليةِ الرضا والقبولِ التي يواجه بها المسلمُ كوارثه مبتهجًا أحيانًا كمن عنده بَلَهٍ ، لمجردِ أنه ربطَ بين اشتدادِ العقدةِ ، وبين ظهورِ " المهدي " الذي حتمًا هو آتٍ في عقيدتِه ، مما يُسهِّلَ ـ في المستوى الرسمي ـ على حكامِ هذهِ الأمةِ سياستَهم المنتهجةُ في ذاتِ الإطارِ والحالةِ مِنَ الانتظارِ المُميتْ .
والثاني ـ وهو الانتظارُ الإيجابي .. الذي تبنته الأمةُ في شِقها الشيعي على المستويينِ ( الرسمي والشعبي ) أيضًا ، إلَّا أن هذا النوع مِنَ الانتظارِ للمهدي ، إنما هو أشدُ نوعيَّ الانتظارِ خطورةً ، إذ تقومُ فكرتُه على ضرورةِ العملِ على تحقيقِ شروطِ الإفراجِ عن المهدي المختبئ في سردابِ سامراء ، التي تتمثلَ في عدمِ وجودِ إسلامٍ ( دينًا ) ، وفي عدمِ وجودِ إسلامٍ ( دولةً ) ، لأن من عملِ المهدي الذي سيخرجُ من أجلِه ، إنما هو إعادةُ الإسلامِ إلى الوجودِ وإحيائِه بإقامةِ الدينِ والدولةِ ، وهذا مستفادٌ من كتاباتِهم هم أنفسهم ، كما جاء في مقالِ عمار الكاظم " مفهوم الانتظار للإمام المهدي " ، وكما هو مستفادٌ من كتاباتِ " مركز الدراسات التخصصيةِ في الإمام المهدي " .. ومِن أقوالِ أئمتِهم في الانتظارِ الإيجابي قولهم " وإذ كان المراد انتظار الإذن الإلهي فالإمام ( عجل الله فرجه ) ، ونحن ننتظر ذلك ، وإن كان المراد انتظار تحقق الشرائط التي على عاتق الأمة تحقيقها فالإمام ينتظر منا ذلك ( ودمتم برعاية المولى صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه ) " .. والمعنى في هذا القولِ : أن الإذن الإلهي بخروج الإمام المختبئ إنما يتكفل به الإمامُ نفسه ، والأمةُ منتظرةٌ ذلك إذ لا دخلَ لها بإذنِ الإلهِ ، ولكن لها دخلٌ في تحقيقِ شروطِ خروجِه لأن الإمام ينتظر منهم ذلك ، وهو أن يمهدوا له بهدمِ الدينِ والدولةِ وتدميرهما ، وضياعِ كل قيمةٍ وفضيلةٍ على هذهِ الأرضِ حتى يأتي دورُه بإعادتِهِم وإلَّا فلا دورَ له يُخرجُه مِن مخبئه ، وذلك هو الانتظارُ الإيجابي عندهم ، والذي دعموهُ بأقوالٍ وضعوها ونسبوها إلى النبي كالقولِ : " أعظم أعمال أمتي انتظار الفرج " ، وفي أقوالٍ أخرى : " إن انتظار الفرج أعظم من الفرجِ نفسه " .. ومثل هذه الأقوالِ هي التي تعطي لحالةِ الانتظارِ عندهم قيمةً وقدرًا حيثُ لا يحدثُ منها مللٌ ، وبخاصةٍ إذا كان الانتظارُ عندهم هو عملٌ وليس ركونًا .
وأهم ما كُتِبَ عن " المهدي " إنما هو في كتابِ " ضحى الإسلام " للكاتبِ والمفكرِ الكبيرِ أحمد أمين ، حيثُ أرجعَ فكرةَ المهدي ـ بعد بحثٍ ضنينٍ واستفادةٍ من أبحاثِ الباحثينَ ـ إلى الشيعةِ الذينَ كانوا قوةً عسكريةً تُمالَأ في كلا الدولتينِ الأمويةِ والعباسيةِ إما لدفعِ ضررٍ أو لجلبِ مصلحةٍ ، فتم السكوتُ عن رواياتٍ وُضعتْ مِن طرفِ الشيعةِ في كلا العهدينِ لذاتِ الأسبابِ .. ونحنُ إذ نؤيدُ ذلك بقوةٍ لِما أقمنا عليه الدليلَ في " الخيط الرفيع " في كيفيةِ تعامل القوى الخفيةِ مع حكامِنا ، فإنا نضيفُ أن فكرةَ المهدي هذه ، إنما جاءتْ بها القوى الخفيةُ عن طريقِ الشيعةِ لتضعَ بها في الأمةِ بذرةَ الفتنةِ بالتواكلِ وبثِ الوهمَ بالأملِ الكاذبِ ، وموتِ نزعةِ الاستفزازِ فيها حتى تهلك ، كما هو واضحٌ في الانتظارِ السلبي في الجانبِ السني ، وكذلك لوضع بذرةِ الفتنةِ في الجانبِ الشيعي ، وذلك بصنعِ آليةِ تدميرٍ ذاتي يقومونَ هم به وبأيديهم كما هو واضحٌ في الانتظار الإيجابي .
ولقد وُضعتْ فكرةُ " الانتظارِ " هذه في الأمةِ من قِبَلِ الشيطانِ الدجالِ فتنةً لها ، ليضربَ بها عقيدةَ ختمِ النبوةِ والالتفافِ عليها ، وكذلك للالتفافِ حول قطع حالةِ الانتظارِ في الإسلامِ بمجئ النبي المنتظرُ ، ليميزَ اللهُ بها السفهَ من الرشدِ في الإيمانِ ، شأنُها شأنُ كلَ فتنةٍ تعرضُ للأممِ المؤمنةِ حيثُ لا انتظارَ في الإسلامِ قط بعد محمدٍ النبي ، فهو صلى اللهُ عليه وسلم كان آخرَ المنتظرينَ والمبشرَ بهم .. ومِن هنا وجبَ البحثُ في صفةِ هذا المنتظرِ المبشرُ به عندَ المنتظرينَ له ، حيثُ لم يعتبرُه أهلُ السنةِ نبيًا ، بينما اعتبره أهلُ الشيعةِ فوقَ النبوةِ حيثُ ذكروه ببعضِ صفاتِ الإلوهيةِ في قولهم عند نهايةِ كلَ كلامٍ : " ودمتم برعايةِ المولى صاحب العصر والزمان ، عجل اللهُ فرجه " ، وكذلك في قولهم من ضرورةِ اليقين عند المنتظر ليكتمل به إيمانه : " أن الإمام حاضر بيننا وإن غاب وهو مطلع على خفايا الأمور وأعمال العباد في الليل والنهار " ، و" أنه هو المعصوم وأنه الواسطة التي تمكننا من استنزال الرحمة الإلهة والكرمات الدنيوية والأخروية وأنه الشمس التي ينتفع بها أهل الأرض وإن حجبها السحاب " .. ونحنُ نعتقدُ أنهم بهذا الكلامِ يريدونَ القولَ بأنه ابنُ إلهٍ كما قالت النصارى وإنما بغيرِ تصريحٍ ، أو أنه هو الإله كما يستفادُ من قولِهم : " إذا كان المراد انتظار الإذن الإلهي فالإمامِ " وكأنهم يقولونَ فالإمامِ هو الإله والإذن بالخروجِ في يدِه .. وفي الحقيقةِ ، إن كان هو في نظرِ أهلِ السنةِ ليسَ نبيًا ، فإنه يكونُ بالضرورةِ قائدًا عسكريًا أو عالِمًا قد أفاءَ اللهُ عليهِ بعلمٍ ، مما يتنافى وطبيعة الأديانِ الحقةِ جميعًا ، إذ ما من رسولٍ أتى قط بشريعةٍ وقد بشرَ بقدومِ عالِمٍ أو قائدٍ عسكريٍ ، وإنما فقط كانتْ الرسلُ تبشرُ بمن يأتي بعدها مِن رسلٍ ، كما هو الحالُ بالتبشيرِ بنبي اللهِ موسى في صحفِ إبراهيمَ ، وبنبي اللهِ محمدًا في التوراةِ والإنجيلِ .. وإن كان هذا المنتظرُ في فكرِهم مرتبةً وسطًا بين النبوةِ وبين العالِمِ أو القائدِ العسكري فإنه يكونُ ضلالًا ما بعدِه ضلالٌ ، إذ ما وجدنا قط فيمن بعثهم اللهُ إلى البشريةِ تلك الصفةِ ، ويكونوا قد أدخلوا على الناموسِ الذي بين السماءِ والأرضِ ما ليس منه وما ليس له وجود . أما كونه حيًا في نظرِ الشيعةِ منذ وُلِدَ فوقَ ما يربو عن الألفِ عامٍ ، فإنه يتنافى مع كونِه مختبئًا في سردابٍ ، إذ لو كان هو حقًا وله وجودٌ لَمَا كان الخفاءُ والاختباءُ أسلوبَ حياتِه ، بل كان عاشَ مع شعبِه يعملَ معهم على تحققِ شروطِ تمكينِه طالما أنه مبعوثًا إلهيًا للبشرِ كدأبِ الإلهِ دومًا مع مبعوثيه ، غير أنه يتنافى مع ختمِ النبوةِ الذي جاء به الإسلامُ ، مما ينعت فكرة الانتظارِ بالعبثِ واللامعقوليةِ ، فضلًا عن لا معقوليةِ افتعالِ شروطِ استحقاقِه للحكمِ وصنعها بيدِ الذاتِ ، لما فيه من مخالفةٍ لمرادِ اللهِ حيث شاء التمسك بالدينِ والعض عليهِ بالنواجذِ وعدمَ التفريطَ فيه ، بينما هم قد كرسوا حياتَهم لهدمِ الدينِ بغيةَ خروجِه ليُقيمه مِن جديدٍ ، وفي هذا عتهٌ كبيرٌ وخروجٌ من الدينِ ، لأنه لو صحتْ عقيدتُهم لصح بالضرورةِ عدم المؤاخذةِ على السهوِ وعلى الاستهتارِ في أداءِ الفروضِ والعباداتِ فضلًا عن الهدمِ الكاملِ والكلي لها ، مما يشي بعبثٍ شديدٍ وضلال .
وإن كان " المهدي المنتظرُ " هو قرينُ خروجِ " الدجالِ " ، فإنَّ ما قدمناه من بحوثٍ حول فتنةِ الدجالِ لفيه أكبرُ دليلٍ على ضلاليةِ وجودِه بالشكلِ الثنائي عند طرفيّ الأمةِ ، لِما أقمنا عليه الدليلَ من أن الأمةَ تعيشُ فتنةَ الدجالِ منذ مهدها وحتى الآنَ إلى ما شاء اللهُ وأبقى لها من عمرٍ ولم نجد للمهدي ظهورًا ولن نجد ، فضلًا عن عدمِ ذكرِه في كتابِ اللهِ مطلقًا ، لا بالتصريحِ ولا بالتلميحِ وما كان لرسولِ اللهِ أن يخبرَ عما ليس له وجودٌ في القرآنِ الكريم ، وما فتنةُ " كورونا " في وقتِنا الحالي ، إلَّا فتنةَ الدجالِ في كمالِها واكتمالِ أعمالِها فأينَ هو وقد مضى من عمرها عامينِ هُدِمَتْ فيهما العباداتُ بالدجلِ لا بالتصريحِ .
إن كانتْ فكرةُ " المهدي " في الجانبِ الشيعي فيها ضلالٌ كبيرٌ وخبلٌ غيرُ خافٍ ، فإنها كذلك في الجانبِ السني أيضًا لما فيها مِن بُعد بوْنٍ عن الواقعِ والواقعيةِ إلَّا أن يكونَ نبيًا وهذا مُحالٌ لعقيدةِ " ختمِ النبوةِ " ، إذ كيف لشخصٍ غيرَ نبيٍ أن يجتمع له جيشٌ من المؤمنينَ صادقي الإيمانِ عند الكعبةِ مِن سائرِ أقطارِ الأمةِ وأصقاعِها ؟ ، وللإجابةِ على هذا السؤالِ فعلى كلِ قارئٍ يقرأ هذا الكلامَ أن يبحثَ في ذهنِه إن كان سيذهب أو يستطيعَ أن يذهبَ إليه ليكونَ جنديًا في جيشِه ، فضلًا عن بحثِه إن كان هو حقًا مؤمنًا أم لا ، إذ كيف يُنصرُ بجيشٍ ارتكب بدعة الصلاةِ بتباعدٍ استجابةً للشيطانِ وافتتانًا ودخولًا في فتنةِ الدجالِ ، بل كيف يجتمع له الجيشُ وقد عانى نبيُ اللهِ الأمَرَّيْنَ في دعوتِه طيلةَ عشرينَ عامًا في مكةَ حتى اجتمع له نفرٌ من المؤمنين ولن يكونَ هذا المهدي أبدًا أعظمَ مِن نبي اللهِ في الاستنصارِ باللهِ ، وإن افترضنا جدلًا حدوثُ الظاهرةِ بأن ظهر شخصٌ واجتمع له الناسُ فلن يكونوا سوى وفودٍ من داعشٍ وتنظيمِ القاعدةِ والإخوانَ والسلفيينَ وهم أبعدُ عن الإيمانِ بُعدَ السماءَ عن الأرضِ ، فكيف يكونُ هؤلاءُ هم جيشَ مَنْ بشر به النبيُ وآتى بقدرِ اللهِ ، وليس لأحدِ غير هؤلاءِ ـ لأنهم تنظيمات ـ قادرٌ على الذهابِ إليه ، وعندئذٍ يكونُ في الأمرِ ريبٌ وافتعالٌ وتمكينٌ من قوى الشيطانِ ، لأن تمكينَ اللهِ لا يكونُ بالقدرِ ولا بالظواهرِ الكونيةِ ـ وبخاصةٍ مع الإسلامِ الخاتَمِ ـ كما هو في مخيلةِ المؤمنين بذلك المهدي ، وإنما هو تمكينٌ بالدأبِ والعملِ الضنينِ والمثابرةِ مما يحتاجُ إلى عشراتِ السنينِ ليجتمعَ لشخصٍ ما جيشٌ .. ثم ما هي قيمةُ المهدي وما هو دورُه إلى جانبِ قيمةِ نزولِ عيسى ودورِه ، وبخاصةٍ أن الدوْرَ كلَهُ قد أُسِنِدَ لعيسى بن مريم حسب الروايات .!؟
إنَّ فكرةَ " المهدي " إنْ كانَ بعضُ العلماءِ قبلَها ، فإنها أيضًا قد رفضَها بعضُهم الآخرَ ،كما رفضَها ابنُ خلدونَ ، ولا يؤثرَ في ميزانِ الحقِ كثرةَ أو قلةَ المؤيدينَ أو المعارضينَ ، وإنما يؤثرُ فقط معقوليةُ التفكيرِ .
نحنُ نرى ، أنَّ مَنْ رَفَضَ الحقَ بعدَ ما تبينَ له ، فإنَّ عليهِ أن يعذُرَ مشركي قريشٍ حينَ رفضوا نداءَ النبي لِمَا عششَ في عقولِهم ووجدانِهم مِن ضلالٍ ، ولكن .. هل كانَ لهم مِن عذر .!؟
ياسر شلبي محمود
كاتب ومفكر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق