....................
نهاد عبد جودة
...............
(مذكرات لا تنسى )
بقلم نهاد عبد جودة
اصبحت خصما للنوم وحليفا للسهد في تلك الليالي الطويلة ، اتوجع على مضجع الافكار المضطربة , اقارع هواجس البؤس وأشباح الليل لساعات طوال ، حتى تداعب انامل اليقظة اجفاني ويزيح شعاع شمس الصباح رداء الظلام عن نافذتي , صباحات مشرقة كنت اتشوق لسماع صوت امي الحنون وهي تدعوني لتناول وجبة الفطور ، اتلذذ برائحة الشاي واشنف مسامعي الى سحر صوت فيروز الذي اعتدت سماعه كل يوم ، الحان اغنياتها تتناغم مع ارتعاش سعف النخيل وأغاني الفلاحين في الحقول . تنعشني روائح المروج الممتزجة مع طيوب روائح الرز , عندما استفيق من رحلة الليل المملة واغمس وجهي بالماء البارد لتخفيف وطأة الصداع اللعين احمل كتبي لانجاز واجباتي الدراسية بظلال بستان مجاور من النخيل , تحت نخلة شهدت فصول احلامي وخيباتي .
في ساعات الظهيرة اقصد مدرستي الثانوية على دراجتي الهوائية برحلة مكوكية تتكرر كل يوم ، مدينة الاحلام تلك المدينة الصغيرة الجميلة الغافية على ضفاف نهر الفرات ( كرمة بني سعيد ) , يمارس قلبي طقوس دقاته المضطربة عند رؤية الفاتنة التي وقعت في غرامها ، تأتي يرافق خطواتها غنج مشروع وسحر لا يقاوم ، تترنح كالطاووس وبريق اشراقتها يذيب احشائي وجدا وهياما , زرعت الاحزان في قلبي بعد ان ادركت ان لاسبيل للوصول الى مملكتها الحصينة , عندما تختزل المسافات وأصبح على مقربه منها تنتابني مشاعر غريبة من الارتباك والحيرة , رغم نظراتها الوديعة الحنونة لم اتمكن من معرفة مايجول بأعماقها من ردة فعل ، لايمكن البناء على اساس هش غير رصين ، لم اجرأ بخطوة طائشة ادفع ثمنها من كرامتي ، كنت مؤمنا ان الزمن له قول الفصل ، تلاشى هذا الاعتقاد من قبضتي عندما افترقت طرقاتنا الى الابد والزمن يرمقنا بنظرات لئيمة ، يقيدني الخجل ان ادنو منها والبوح بما يغلي في قلبي من شعور تجاهها والاستماع الى ردودها , تقيدني تقاليد ونواميس اجتماعية صارمة ، لايمكنني تجاوزها ، لو تجرأت ورمقتني نظرات متطفلة عندها سأكون امام مشكلة من الصعب التخلص منها بحكم نظام عشائري لايعير للحب اي اهتمام , كانت فرص رؤيتها شحيحة فقط اثناء مجيئها ومغادرتها المدرسة ، كذلك اثناء الاحتفالات التي تقيمها أدارة الثانوية وهذه الفرص ننتظرها بفارغ الصبر ، هذه المناسبات تعطيني شحنة من الامل للتمتع بالنظر اليها والتزود من محاسنها ، لكي اسهر الليل مع هذا الشعور الجميل .
ارتقيت المسرح ذات يوم لإلقاء قصيدة شعر شعبي متحديا مشاعر الخجل ، كانت تجربتي هي الاولى من اجل عينيها ، كانت نظراتي تطوف على وجوه الطالبات بحثا عنها حتى التقت بسحر عينيها , استرسلت بقراءة القصيدة وكان جل اهتمامي متابعة انفعالاتها ومدى تجاوبها مع ايحاءاتي الواضحة غير مكترث بموجة التصفيق , كانت سعادتي كبيرة عندما رأيت اصابعها الناعمة تصفق لي بكل هدوء , كانت تحتويني مشاعر الحزن رغم تهنئة زملائي الطلبة على جرأتي بالإلقاء ومواجهة المحتفلين ، كنت متلهفا للوصول الى شواطئها الدافئة لكي تعانق زورقي الذي ارهقته الرحله , اسهبت كثيرا بشرح لواعج القلب بمقاطع انشائيه وخواطر شوق نالت اعجاب الكثيرين دون ان ينتبه احدا منهم الى مغزى صراخي وعظم معاناتي وعمق اوجاعي المختبئة تحت السطور بحب هذه الطالبه اللغز , قبل وقت الدوام كانت دراجتي على موعد مع مجيئها في توقيتات معلومة ، ادور في شوارع المدينه لصرف الوقت بانتظار نظرة خاطفة منها قربانا للحظات حلم جميل .
عقدت صداقة مع مقهى صغير اجلس فيه وارتشف الشاي وانا على صفيح الانتظار الساخن ، انتظر طلتها البهية وهي تمر بقربي ، حينها تضطرب انفاسي ويشل لساني عن الكلام ، وتتيبس تجاويف فمي ، ما اروع الم الحب ، كنت حويطا اتحاشى نظرات زملائي ، اخشى اكتشافهم مدى تعلقي وإعجابي بها ، يطاردني حزن اسود عندما افقد رؤيتها احد الايام , اعود من جديد الى الليل الكئيب بأجوائه القروية الهادئة يمزق سكينته عواء الكلاب السائبة ومواء القطط وذلك البوم اللعين الذي جعل من نخلة قريبة سكنا له , اتصفح على سرير الالم ذكراها وسحر ابتسامتها الرقيقة وانفث بجوف الليل احزاني ، ينتشلني صوت ام كلثوم من هوة الانسحاق ويجعلني اتقبل الواقع بشكل افضل ، اسبح في فضاء الحلم واعانق النجوم واغني للقمر الخجول ، تستحوذ على افكاري مشاعر مقلقة ، كنت اخشى ان لاترمق احلامي النور , بعد ان تهدأ انفاسي واستسلم للكرى ، يزورني خيالها في عمق الليل يدعوني ان أتبع خطواتها وهي تتمايل كحورية هبطت توا من ملكوت علوي ، تدوس اقدامي حشائش مبتلة بقطرات الندى هائجا تحت جنح الظلام اتابع صوتها الساحر , كنت استعطفها بالانتظار رحمة بقلبي المسكين ، اقول لها : تعالي عانقيني طالما نحن نعيش الحلم الجميل قبل ان تحرمني منك اليقظة القاسية , عانقيني قبل رحيل المواسم واغتيال الربيع ، قبل ان نصل الى مفترق الطرقات التي لاترحم ، دعي انفاسك العطرة تمتزج مع نسائم الليل لتنعش انفاسي وتشفي جروحي المكتوية بفقدك . ماذا اقول للقلب المسكين ، هذا القلب المفجوع بالفقد والفراق ، لقد تلاشى ذلك الحلم حتى تبخرت كالضباب واختفت بعمق الليل , حاصرتني بعد رحيلها كوابيس رهيبة ، تهزء بي وتنتزع اعترافاتي الصريحة بهزيمتي وضعف ارادتي .
جاء الحسم بالفراق كالعادة ، تشعبت طرقاتنا وانزوت اسرار حكايتي بعمق ماض بعيد , اتصفحه بمرارة .
عندما تسنح الفرصة بعد مرور عشرات السنين , اقف امام مدرستي الثانوية ذلك البناء المتهالك ، امام محراب حبها المفقود , مستحضرا خيالها الجميل ومفاصل تلك الاحداث التي مرت , اتصفح كتاباتي وأشعاري القديمة التي تحمل اسمها الحبيب , ارى ملامحها متجسدة على الجدران العتيقة التي مزقتها قسوة الزمن والاهمال , بعد لحظات صمت مريب يطل خيالها من ثنايا الاثير ، تحدثني بلطف وتعتذر عن رحيلها المباغت ، وتطلب مني ان ارفق بقلبي الذي آمن بها في عهد الحب الذي كان ، كانت تبوح عن اسرار مشاعرها في عهد الخذلان بكل جرأة ، عما كان يختبئ خلف ابتسامتها الوقور وسكوتها الحذر من مشاعر حب كبير مات في رحم الايام .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق