..................
نهاد عبد جودة
.................
( الحب ممنوع )
نهاد عبد جودة
هذه العبارة لم تكن معلنة بصراحة على ابواب مدرستنا الثانوية المختلطة آنذاك , ولكننا ندرك ذلك تماما ونعيشه واقعا , لم نلتقي بزميلاتنا الطالبات إلا اثناء حصة الدرس , يخرج الطلاب اثناء الاستراحة اما الطالبات يمكثن تحت اقامة جبرية وأبواب موصدة لمنع التواصل بين الجنسين , كزنزانات لقهر الحب , كم كنا نتشوق لرؤية وجوههن البريئة الجميلة ولكن نظم المدرسة وتماشيا مع رغبة المجتمع الذي يحيطها الغى كل الرغبات , يبقى مفهوم الاختلاط عنوانا ظاهرا مدونا على لوحة المدرسة اما بالداخل فليس هناك اختلاط .
احد الايام اثناء الاستراحة تجولت في ساحة المدرسة ثم توجهت نحو غرفة اتحاد الطلبة حيث يعتبر المكان المناسب للاستراحة , بعض الزملاء يدخنون السجائر وآخرون يتصفحون المجلات والصحف المبعثرة في ارجاء المكان , كان في زاوية المكان احد الزملاء ، ملامحه توحي انه في مشكلة وتثير الاستغراب , دنوت منه رغم سحب الدخان التي يطلقها من منخريه , كان شارد البال , قررت ان اخترق خفاياه ومعرفة حقيقة ما يعانيه ، ربما اتمكن من انقاذه من هذه الحالة البائسة , قلت له : ما الذي حصل لك ايها العاشق الولهان ؟ , بالأمس كنت سعيدا وتوصف لي زهو الحب ونشوة المشاعر .
لم يخفي محمد امتعاضه ومضايقته من نصيحتي ، بعد ان اسديت له نصيحة في احد الايام وكانت بعيدة عن المجاملات الزائفة , بدأ ينأى بنفسه عني معللا ذلك بعدم تحمله سماع نصائحي لأنها تمتاز بالجرأة وبطريقة استفزازية صريحة لا تنال رضاه , لقد قالها مرارا انك تهيج مواجعي وتحرمني من اية بارقة للأمل , الحقيقة المجردة التي تتحدث عنها لم تمنحني فسحة الامل الجميل وتلغي طموحاتي تماما , عالم الوهم الذي اعيش تفاصيله الجميلة هو ارحم من وجع الحقيقة التي توصفها لي , نصائحك ترسم ملامح طريق متجهم امامي .
قلت له حينها : صديقي محمد ينبغي عليك ان تكون واقعيا , ان تعرف ان كلمات الاحلام الزائفة التي تتمنى سماعها هي يقينا كالمخدرات التي يدمنها جسدك ، حيث تمنحك لحظات راحة مؤقتة وتهددك بسقم مزمن , انتهى ذلك اليوم بعد ان حملته لحظات غضب على القول اذهب انت وفلسفتك الرخيصة الى الجحيم .
كان مجنونا بعشق استاذة مادة الكيمياء , علاقة حب من طرف واحد محكوم عليها بالزوال , علاقة تتأرجح على طرفي ميزان اعوج , انسانة رقيقة ومهذبة , تملك مسحة جمال وأخلاق عالية وقلب عطوف يستوعب حب الجميع , لم تكن على علم بما يعانيه هذا الفتى الصغير بحبها , يعيش الحلم الجميل برؤيتها نهارا اما في الليل تتكالب عليه الاحزان حيث يستسلم لمشاعر الهزيمة وهو يرقد بين جدران بيته الطيني شبه المنهار في القرية , يتصفح ذكراها تحت وطأة ضجيج الكلاب وأزيز الحشرات ونقيق الضفادع في عتمة الليالي الطويلة , يصرف ساعات مملة بمراقبة القمر والنجوم التي تبدو في سماء القرية اكثر اشراقا من المدن المضيئة , اليوم يبدو ان احزانه قد تناسخت وآماله تلاشت ، رأيت بريق دموع تتلألأ تحت نظارته الطبية , قلت له : يا صديقي يبدو انك غير سعيد قل ما الذي يعتصر قلبك , تحدث وافرغ همومك عسى ان اجد لك مخرجا , اطفأ لفافة التبغ ثم مسح شفتيه وكأنه يفتح ابواب مجلدات من الكلام كانت مختبئة تحت لسانه , لم يقل شيئا سوى كلمات مختصرة , هل سمعت ماذا حدث مع الزميل جواد في صف السادس العلمي ؟ ,
قلت : كلا لم اسمع ، حدثني ما الذي حدث له .
قال : لقد كان مغرما بأحدى الطالبات حد الجنون , كانت على قدر كبير من الجمال , عينيها الخضراوات وشعرها الاشقر وقوامها الممشوق , لم يجد جواد اية وسيلة للتصريح عن حبه لها بظل ظروف قاسية وحصار عاطفي مقيت يفرق بين الجنسين , استعار منها كتابا وبعد استعادته وجدت قصاصة ورق صغيرة تغفو بين صفحاته , لقد كتب على تلك الورقه ثلاثة مفردات اختزلت معاناته ووصفت حجم الحب الذي يعتمر في قلبه ( احبك حبا جما ) , هذه العبارة جلبت عليه الويلات والمصائب , اصبح حديثا تلوكه الالسن بازدراء وتهكم وتذمه نفوس لم يكن الحب مطروحا في قواميسها , وبخه الجميع دون تحفظ , يبدو انه اقترف ذنبا لا يغتفر حمل ادارة المدرسة على اتخاذ قرار طرده من المدرسة بعد ان وجدت نفسها امام مشكلة حقيقية لا يمكن السكوت عنها ، وإلا ستكون عواقبها وخيمة , مسكين لقد دفع الثمن غاليا لأنه صرح عن حبه , اعتبروه متمردا على القيم ومسيء للأخلاق , وصفه البعض بأقبح العبارات .
قلت : حسنا يا صديقي ما علاقة حكاية جواد وحالتك المزرية .
قال : كيف لا توجد علاقة كلاهما تحملان نكهة الحب الممنوع ونفس المضمون في هذه المدرسة , لقد نطق جواد ثلاثة مفردات القت به في الجحيم فكيف يتسنى لي وصف حبي لأستاذتي الفاضلة , انا اخشى ان تحدثت يوما عن حبي ربما اواجه الإعدام على اسوار المدرسة .
ضحكت من افكاره ، بعد لحظات صمت قلت له : انت بالغت كثيرا يا صديقي في طرح افكارك بطريقة تشائمية ، دعنا نناقش الامر بالمنطق وبكل عقلانية .
قال : ارجوك ابتعد عني ، لا اطيق سماعك ، دع فلسفتك المزعجة ومنطقك الذي يثير مواجعي .
قلت : كلا يجب ان تنتبه لما اقول , انا انصحك ان تنسى وتغادر جحيم هذا الحب ، حكايتك غريبة ومعقدة , ارجو ان تغادر هوة الانسحاق التي وضعت نفسك فيها , ان تتجرد من الوهم الذي يتحكم بتطلعاتك , دع مجال للعقل لكي يقول كلمته الفصل , اسأل نفسك هل تتقبل هذه الاستاذة العيش في خربة من الطين ؟ ، هل تتقبل حياة الفقر بأقبح صوره ؟ , اي حب تتحدث عنه وتوهم نفسك به وتبالغ في وصفه لعجائز القرية .
خرجت من المكان عدة خطوات ثم عدت اليه قائلا : اتمنى ان تعتني بنفسك وتهتم بدروسك وتترك السجائر اللعينه التي تزيد من مشاعر الخيال في رأسك .
قال : اود ان اقول كلمة وارجو ان لاتتزعل او تتضايق .
قلت : تحدث بصراحة ولا تهتم .
قال : وفر هذه النصائح لنفسك , قلبك خلي من مشاعر الحب لذلك تتحدث عنه بما لاتعرف .
قلت : قلبي يفوقك قهرا , انا متيما بحب فاتنة في هذه المدرسة ولكنني مكابرا على جراحي , لا املك سوى كلمات شعر وخواطر اوصف بها عمق ذلك الحب ، اتسلى بها مع نفسي فقط وفي لحظات خلوتي ، احترق بصمت لأني اعرف حدود امكانياتي وعدم قدرتي على تسلق اسوارها المنيعة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق