السبت، 27 مارس 2021

 ...................

صالح سعيد / تونس الخضراء

....................



قراءة نقدية لقصيدة: وفي صدري توأمي
للشاعرة جليلة المغربي
....وفي صدري توأمي...
انجبتني أمي
وأنا حبلى
أحمل في صدري
توأمي
المخاض جاءني
أن هزي جذع
اليراع
تساقط البوح
السخي
لآلئ من ضاد
وعراجين قوافي
صهوة القرطاس
تعتلي
قصائدي فسيفساء
من روحي ومن
أحلامي ومن
عصافير ألفت
اقفاص صدري
تشدو ألحان
الهوى والصب
وتراتيل الحرية
ازقها شهد
الآمال وعزف
الصبر والأمل
وترسمها لوحة
من وحي اناملي
ومن سبائك
القدر
الشاعرة جليلة المغربي
وَقعت على هذه القصيدة وأنا أتابع ما يُنَزّل في "مجلّة أقلام وحروف" وهي قصيدة للشاعرة جليلة المغربي. هالتْني دلالاتها وتُهت في ثناياها ألتقط منها الدّرر...ووددت أن كانت بلا عنوان كي يكون الحمل لقيطا من صمّ البيان ...وما دام الأمر قد كان، ورسمت الشاعرة العنوان " وفي صدري توأمي" فلا بأس من ملاطفته واستفزازه... فقد جاء مواصلة لرحلة سابقة صعودا من البطن إلى الصّدر ..إذ الحمل عادة ما يكون في البطن ..سكتت الشاعرة عن ذلك أو لعلّها أخبرت عنه في مساحات سابقة وأعلنت في نبرة اليقين خبر الحمل بتوأم، هو توأم شقّي البلاغة " النظم والنثر" يجول في الصّدر ويعتمل قبل أن يخرج إلى الوجود نصا وليدا جديدا بعد حمل ومخاض....الم يقل ابن المقفع: "إنّ الكلام يزدحم في صدري فأقف لتخييره" ..كذلك هو العنوان حمل بمولود من نوع خاصّ ندرك تفاصيله في النّصّ وقد رسم لنا كاتبةً وُلِدتْ مزوّدةً بطَاقةِ الكتابة، وكأنها قدرٌ مسلّط لا مهرب منه. الكتابة التي بواسطتها يقيم الشعراء في الوجود، الكتابة التي هي لملمة للجراح وبحثٌ دؤوبٌ عن آفاق جديدة تكسر عنف الواقع وتصعّد القبيح منه إلى مراتب السموّ والجمال والجلال.....هكذا قالت أنجبتني أمّي وأنا حبلى أحمل في صدري توأمي" وتحاول أن تلغز بمراودة قارئ شقيّ مثلي حتّى تسافر به بعيدا إلى عالم الأخلاق فيردّها المعجم والسّياق والصّور إلى عالم الكتابة وما أدراك ما عالم الكتابة! عالم لا يعرف كنهه إلاّ من جرّبه واكتوى بناره...نارُه الدّفيئة اللذيذة الكيّ تذوّبنا في ذواتنا وتملؤنا بروعة الوجود وتخرج أفضل ما فينا.....فكلمات من قبيل "بوح، ضاد، قوافي، قرطاس،.." ليس من شك بأنّها تنتمي إلى عالم الكتابة تسكنه الشاعرة بمداد الشوق والاكتواء لخلق نصوصٍ بكرٍ تُصرّف فيها روائع الوجود من صبّ وعشق للحقيقة، للإنسان، للجمال، لحبيب مفقود موجود منشودٍ يأتي على فرسٍ بيضاء لبفرّج عنها كربتها ويردّ طوابير الأعداء...هي قصائد تريدها تراتيل أنشودة الحياة ...الشّاعرة عاشقة- وربّ الكعبة - شقيّة بعشقها منهكة متعبة راحتها تذويب روح الكون في الإنشاء وتصعيد العالم المتشيّء إلى مستوى الفن اللغوي لإعادة خلقه وترتيب أبعاضه في رنين موسيقى النّصّ صعودا إلى التّجَلِّي.. حتّى تحلّق في آفاق الحرّيّة ..وهل هناك أسمى وأجلّ من الحرّيّة مطلبا؟ حرّيّة لا تدرك في الواقع المتعفن المتشيّء يسحقنا في اليوم مرّات ومرّات، وخاصّة في بلاد قرطاج ما بعد الثّورة. ولكنّها تُلمسُ عندما نعانق الكتابة ونكون في حضرة الشعر، عندما نسوّي بالحرف كلّ العوالم التي نريد، نوسّع نضيّق، نعجن الوجود بماء اللغة ونسوّي منه ما نريد، نحلّق نحطّ نسافر إلى أغوار التاريخ ونستشرف آفاق المستقبل واللغة في ذلك أداة طيّعة تنصاع لأرباب البيان منهم شاعرتنا المميّزة، التي ما انفكّت في هذه القصيدة تغازل اللغة وتراودها عن نفسها حتّى تستسلمَ لها كما يستسلمُ الحبيبُ للحبيبِ.
.هكذا إذن كانت القصيدة احتفاءً بالرّسم بالكلمات موضوعا محوريّا صيغ بطريقة فنّيّة رائقة كان فيها الشّعر شعرا على الشّعر..وكَأًنّه البيان يحدّد مفهوم الكتابة بلغة المجاز، ويرسم تجلّيات الفنّ القوليّ وسيلة نافذة لاقتحام عالم الذّات بتشعّباتها المختلفة.... .هكذا بدا لي النّصّ من وجهة نظر دلاليّة دون الخوض في بنيته الفنيّيّة ولجليلة المغربي فيه نظر .....تحيّاتي.
صالح سعيد / تونس الخضراء


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق