الاثنين، 29 مارس 2021

 ..................

د.عبدالوهاب الجبوري

.....................



بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة في تجربتي الشعرية
(القسم الاول )
أنا والشعر
في جلسة ثقافية كنا نتحدث عن أحداث الساعة وهموم الوطن والمواطن والامة ، كان المتحدثون اصدقاء ومنهم كتاب وصحفيون وأساتذة جامعة ، فقال لي أحدهم ، ممن رافقني مسيرة العمر ورحلتي العلمية و الثقافية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي ، نعرفك كاتبا وباحثا في الشؤون السياسية والعسكرية والثقافية وخاصة الادب العبري والترجمة من اللغة العبرية ، ولك كتابات واهتمامات في الجوانب الاقتصادية والدينية واللغات السامية ، وقد نشرت ما يزيد عن 40 كتابا بين ترجمة وتاليف ، كل هذا نعرفه ، لكن كيف أصبحت شاعرا وكاتبا للقصة القصيرة وقد نشرت المئات من القصائد والقصص في مختلف الاغراض قلت : أنا لست شاعرا، بل هاوٍ للشعر رغم اني كتبت ونشرت لحد الان مئات القصائد متعددة الاغراض ولي ديوان قيد الإنجاز حاليا .. صحيح جاءت تجربتي الشعرية متأخرة ، لكنها كانت عميقة ومعبرة بمقدار الزلزال الذي أرعدنا وهزنا من الأعماق ، وأعني به احتلال العراق وتدميره من قبل المحتلين ، فكانت كتاباتي الشعرية والنثرية تلتحم مع هذا الحدث المأساوي وتطوراته الخطيرة وتاثيراته على العراقيين والعرب على حد سواء ، وتعيش حالة صراع نفسي وفكري تعكس رفض الإنسان العراقي والعربي للعدوان والاحتلال وتحديه لإفرازاته وإصراره على مواصلة الصمود والرفض لكل ما تسبب في دمار بلده ، فكان الوجدان نابعا من الأعماق ، والحروف والكلمات تتدفق كنبض القلب الملكوم من احتراق بلد الحضارات والتاريخ .. كل هذا شكل رسالة تولاها العقل والقلب فاصدر ايعازاته إلى الأنامل لتصوغ ما تقدر على صياغته من تعبيرات وتحديات وهموم إلى جانب إيقاد شرارة المواجهة الفكرية لتجاوز حالة اليأس وبعث الأمل في الذات الإنسانية بان ما حصل لا يمكن أن يدوم ويستمر كون الإنسان العراقي ، كأخيه الإنسان العربي ، خبر التاريخ وأحداثه وتطوراته وعرف نكبات كثيرة وكبيرة تم تجاوزها بإرادة لا تلين وبعزيمة لا تفتر ، فحقق التحرر والسيادة والاستقلال والتخلص من ربقة الهيمنة الأجنبية والاحتلال الخارجي على مدار التاريخي ، وشكل هذا الفهم لحركة التاريخ وتجاربه وأحداثه منطلقا لبعث الهمة والعزيمة في روح الإنسان ووجدانه وعطائه الفكري والثقافي والسياسي ، وهكذا عبرت قصائدي وكتاباتي النثرية ، ومنها القصة القصيرة والومضة والمقالة الأدبية والسياسية ، عن هذه الجوانب المهمة في حياتنا وتطلعاتنا نحو كيفية التعامل مع الوضع الجديد ، ومواجهة مخاطر وتأثيراته.. وردا على سؤال أحد الحضور حول ولادة القصيدة عندي ، قلت : القصيدة موجودة في ذاتي وأنا أعيشها وهي كامنة في نفسي ، بمعنى أنني لا أرتجل الشعر ، وطالما كان الحدث ماثلا أمامي ، متغلغا في أعماقي ، يؤرقني بإفرازاته المأساوية ، فاني أتألم وأتعذب ، فارفض الحالة ، ليتحرك في داخلي صراع القدرة على المواجهة الفكرية – نثرا أو شعرا – وتتجسد محنة الوطن والأمة بكل أبعادها لتبدأ ولادة الصورة المطلوب رسمها عن كل حالة من حالات الألم والعذاب التي نمر بها ، ومع أن تجربتي الشعرية حديثة ، لكن تجربتي النثرية عميقة وهي تمتد لعقود طويلة ، فضلا عن مطالعاتي المتواصلة لنتاجات الشعراء ودواوين كبار الشعراء العرب القدامى والمعاصرين وحفظي لمفردات وأبيات من أعمالهم أفادتني في كتابة القصيدة فشكري الجزيل لهم وان كنت قد أشرت في سياق القصائد للاستعارات التي اعتمدتها في بعض القصائد ، كما ساعدني هذا أيضا على صهر عناصر القصيدة ببعضها شكلا ومضمونا ، بموسيقاها ولغتها وصورتها وحقيقتها ولونها وتأثيرها ، ليولد نص جديد يختلف من قصيدة إلى أخرى قدر الإمكان ، وقد وجدت لدى القاريء والناقد انعكاسات ايجابية لهذا التوجه في كتابة القصيدة ، مما حفزني وشجعني على المواصلة ومحاولة التطور والتجديد ، وهنا أشير إلى شاعر العراق والموصل الكبير كرم الاعرجي الذي كان يتابعني ويشجعني منذ بداياتي الأولى لكتابة القصيدة ، وكانت بصماته واضحة في كثير من النصوص التي كتبتها في بداية تجربتي الشعرية ونشرتها في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية ، كما أشير أيضا إلى التشجيع الذي لقيته من شعراء عراقيين وعرب ، أذكر منهم شاعر فلسطين يعقوب احمد يعقوب ، ومن أدباء وشعراء الجمعية الدولية للغويين والمترجمين العرب (واتا) محمد علي الهاني وريمة الخاني وياسر طويش ومحرز شلبي وسعيد نويضي ومحمود عباس مسعود وعبدالرحيم التدلاوي واخرون ، ومن العراق امين جياد والدكتور عبد المطلب محمود و منذر عبدالحر وعلي الياسري وآخرون .. كثيرون أثارت تجربتي الشعرية اهتمامهم وتشجيعهم كونها محاولتي الأولى بعد أن عرفوني لفترة طويلة باحثا ومترجما ، وكانت قراءاتهم لقصائدي وتعليقاتهم عليها تحفزني هي الأخرى على الاستمرار والكتابة بأفق واسع ، حتى بات القراء العرب ، كما حدثني بعضهم ، بأنهم قد اكتشفوا أن عروق هذه القصائد ممتدة في أعماق القلب والروح والفكر الإنساني ، وهذه شهادة اعتز بها لكل من تلمس هذه المعاني في قصائدي .. باختصار فاني الشعر عندي حاله حال النثر ، قد عبرا عن تفاعل الذات مع القلق الذي يستجيب لنداء الألم والثأر لمحنة وطن وأمة استبيحا وانتهكت حرماتهما ، وكيف يمكن لهما أن يستعيدا مكانتهما من جديد بعد الزلازل التي عصفت بهما وأعني فلسطين والعراق خاصة .. فكان أن وضعتُ أدواتي الشعرية والنثرية وتجربتي وكياني في خدمة قضايانا الوطنية والعربية وأحيانا الإنسانية أيضا كوننا جزء من منظومة إنسانية نلتقي معها في همومها وطموحاتها وتطلعاتها نحو الحرية والتحرر والتخلص من سيطرة الأجنبي ومن شراك الصهيونية العالمية والماسونية البغيضة ، فكانت قصائد ( غزة بعين بابلية ، أنا العراقي فلسطين أولا ، مقطعات للوطن ، سكرة العشق ، قيلولة بين زلزالين ، قصيدة يا ويل صهيون من امة إذا صال جندها والأقصى أميرها ، بين بغداد وغزة ، قصيدة حيفا حبيبتي وسلاما شهيد الموصل ..الخ) هي العنوان الكبير لهذا التوجه الذي غلب على معظم قصائدي ..
قراءة في تجربتي الشعرية
(القسم الثاتي)
المرأة في الشعر
وردا على سؤال عن المرأة في شعر عبدالوهاب الجبوري ، أشرت في البداية إلى أن صورة المرأة في القصيدة العربية الحديثة تتأثر بجملة مؤثرات، منها ما هو متعلق بسيادة السلطة الأبوية (البطرياركية)، التي هي بنية أساسية ثقافية معادية للحداثة والنقيض الجذري لها، والنظرة الذكورية المتعمقة للعالم ، ونعني بها وصف النساء والعالم، في الفنون المرئية والأدب، من منظور ذكوري بحت .. وتقع هذه الصورة بين التباسات حالتين متعارضتين أو مفهومين يتناوبان عليها، فهي إما مكرَّسة للقداسة والتبجيل أو موصومة بالدنس والغواية، وبين هذين المفهومين أو التوصيفين يبقى فضاء النص شاغراً في الجسد الشعري العربي منتظراً بزوغ الصنف الثالث من النساء اللواتي يتمتعن بخصائص فكرية وميزات إنسانية متطورة غيبتها المنظومة الثقافية المهيمنة، وحصرت جنس النساء في أمثولة الملاك المفرط في براءته، وصورة المرأة الموغلة في الحرية ، أي أنها مجرد موضوع يتم تداوله وتسليعه.. ويرى بعض النقاد العرب أن الصورة التي تكرست منذ العصر الجاهلي إلى الآن هي صورة نمطية تعمل على تشييئ المرأة وعلى سجنها في صورة واحدة أحادية تربط العاطفة بالجسد ، وتقضي بذلك على إمكانية تناولها بصفتها عنصرا فاعلا في المجتمع وما تتمتع به من دور مهم في الجوانب الإنسانية والمواطنة والمسؤولية التي تتمتع بها المرأة في الوقت الحاضر ، وحتى الدور الإيماني الذي بدأنا نلاحظه عند شاعرات عربيات كبيرات .. وبالنسبة لي فقد التقطت صورة المرأة ورسمتها من زاويتين أساسيتين، زاوية الخلق والإبداع الذي تبدو فيهما المرأة كذات فاعلة منتجة في المجتمع في كل مجالات الحياة ، وهو دور لا يمكن إهماله او تناسيه أو تهميشه بأي حال من الأحوال .. باختصار المرأة بكل عناوينها عنصر فاعل في المجتمع، وبرأي يجب تجاوز الصورة المرسومة للمرأة في الشعر العربي الحديث التي تحولت عند البعض إلى أداة لإثارة الغرائز ، وإلغاء عقلها وفكرها والأخطر من ذلك إلغاء حضورها الإنساني عندما تحولت المرأة إلى موضوع يتبارى البعض من الشعراء في التعبير عنه بشكل مؤلم مركزا على تناول الجسد والوصف المبتذل ، ملغيا ذاتها المستقلة ودورها كشخصية فاعلة في الحياة الإنسانية، هذه المسألة هي الإشكالية الحقيقية التي أعطت القارئ و المتلقي قيمة ثقافية خاطئة وهي أن المرأة وجودها في القصيدة العربية هو وجود مهمش، ودوني، وأيضاً وجود مبتذل إلى حدٍ كبير، هذه القيمة الثقافية عندما يتم إيصالها من خلال النص الشعري تتحول إلى سلوك مرفوض وغير مقبول داخل المجتمع .. صورة المرأة في شعري هي رمز معبر عن الوطن والأرض والأم والمدينة، بل ملجئا نعود اليه ونراجعه كلما ألمت بنا الظروف، ونتخذه ملاذا وسكينة وميناء استراحة المحارب كلما عصفت بنا الرياح..
د.عبدالوهاب الجبوري
العراق في 2021/3/20

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق