................
محمود محمد زيتون
.............

... أيام في خدمة الكلاب.....
مقال
متاعب استرجاع الماضي تعتريني وتكاد تقصم ظهري.!
أحداث هي أطول على نفسي من الآباد ، نسجتها أيادي أشخاص من الأقارب والأصدقاء بصورها المروعة التي أكابد منها كما تكابد الشموع من الريح الغضوب.!
وحين تتلبسني هذه الآلام ينقبض صدري أشد الانقباض. ولكن رحمات ربي تغمرني حين يأتيني صوت من أعماق نفسي يهمس في سمعي.. يسائلني :
ومن أولئك وهؤلاء حتي يؤرقك العتب عليهم بمثل هذا العذاب؟!
صدقني.. إذا غدر بك القريب فليس بقريب.!
وإذا تجنى عليك الصديق فلأنه يعرفك، وليس بصديق.!
وتذكر قول الشاعر « المعري» :
وما ضرني إلا الذين عرفتهم
جزى الله خيراً كل من لست أعرف.
عليك أن تحفر قبرٱ تدفن فيه كل من لا يرعى حق القرابة ومن لم يحفظ عهد الإخاء.!
وكيف تعتب على من يسرهم أن تتعثر وأن تسقط وتفشل.؟
وقد نصحك الشاعر «صادق رستم» ، حين قال :
شر البلية إشفاق على فئة
لو كنت تؤكل ما عفوا ولا شبعوا
تبيت تبكي لصرف الدهر يفجعهم
ولو رأوك على الأعناق ما دمعوا.
لا تتذكرهم ، ولا تعتب عليهم، وهون على نفسك أيها الغافل عن حقائق الخلائق.!
ففي إحدى الممالك كان السلطان قاسيٱ في معاقبة من يخطئ من وزرائه وحاشيته، وكان أشد بطشٱ حين يتعلق الأمر به أو بعرشه.!
أمر السلطان بتربية عشرة من الكلاب الوحشية ؛ لكي يلقي لها بكل من يخطئ، فتنهشه، وتأكله بشراهة.!
في إحدى المرات استدعي السلطان كبير الوزراء - الذي كان مستشاره صاحب الرأي السديد والفكر الرشيد طوال ما يربو على خمسة عشر عامٱ - وطلب منه أن يدله على طريقة يتخلص بها من جميع أمرائه وأقاربه الذين يحق لهم حكم البلاد بعده ؛ بحجة أنهم يتآمرون عليه من الآن، لإقصائه والجلوس على العرش مكانه.!
فقال له كبير الوزراء :
سيدي صاحب الجلالة : كيف تتخلص منهم وهم أقاربك وعشيرتك.؟!
أنا لا أستطيع تدبير هذا الأمر .
فغضب السلطان غضبٱ شديدٱ وأمر بإلقائه للكلاب.!
فقال له كبير الوزراء مستعطفٱ: سيدي ومولاي: خدمتك خمسة عشر عامٱ ، كنت لك الناصح الأمين.. فكيف تفعل بي ذلك وترميني للكلاب؟
فإذا كنت عازمٱ على قتلي أرجوك أمهلني عشرة أيام قبل تنفيذ الحكم.!
فكر السلطان مليٱ، ثم قال له : لك ذلك.
ذهب كبير الوزراء إلى حارس الكلاب ، وأقنعه بأن يسلمه الكلاب عشرة أيام ؛ ليخدمها ويكون في رعايتها.
قام كبير الوزراء بخدمة الكلاب وإطعامها وتوفير كل سبل الرعاية لها. وبعد عشرة أيام جاء موعد تنفيذ الحكم. وأودع كبير الوزراء السجن. وجاء السلطان وحاشيته لمشاهدة نهايته. وجاء الحراس بالكلاب المتوحشة وأطلقوها، لتفتك بكبير الوزراء كما اعتقد السلطان..
سادت لحظات من الترقب.. وعيون الجميع تتجه للكلاب وهي تعدو وتتجه نحو كبير الوزراء ، وإذا بها تتحلق حوله وهي تهز أذيالها فرحة بلقائه. ثم تتحرك ، وهي تتمسح به هادئة مستكينة.!
علت الدهشة الوجوه ، وتجهم وجه السلطان، وقال للحارس: ماذا فعلت بالكلاب أيها الخائن؟ فأسرع كبير الوزراء بالإجابة قائلٱ قبل أن ينطق الحارس :
لا شيء يا سيدي ، سوى أني خدمت الكلاب عشرة أيام، فلم تنس الخدمة ، وأنت خدمتك خمسة عشر عامٱ فنسيت العشرة.!
وليتك سيدي مثلها.. لم تنس.!
بقلمي
محمود محمد زيتون
............ هوامش.....................
(١) صورة تعبيرية عن حمل الإنسان لذكرياته
(٢)صادق رستم: شاعر مصري ذاع صيته عندما كان يكتب في مجلة الرسالة في أربعينات القرن الماضي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق