................
عمر بنحيدي
............

قصة قصيرة بعنوان : الشعيبية.
نشأت( الشعيبية) في بيت لا كلمة فيه تعلو على كلمة أبيها فهو الرجل، إضافة إلى كونه خزّٓاف، يجب أن يكون كل من في البيت طيعا بين يديه كعجين الصلصال وهو يشكلها كمايشاء . فلا أحد قادر على مناقشته، خشية ردود أفعاله الغير محسوبة. فقد غضب مرة ولم يمر على زواجه سوى بضعة شهور، بأن دفع( رقية) أمها بعنف لتسقط على قنتها، فاقدة الوعي لمدة يومين، كانت خلالها الدار تعج بالمعزين إعتقادا منهم أنها فارقت الحياة.
ورغم ندمه ندما شديدا، فهو لم يعترف قط بخطإه. أما المسكينة فقد ركبها الهلع، إلى حد أنها فكرت كم مرة بوضع حد لحياتها لولا طفلتها المدللة (الشعيبية).
هي صبية تفيض بالحيوية والنشاط، ابتسامتها بدر منير و عيناها الساحرتان تجعلان الناظر لها يتيه في محراب الجمال الملائكي. لكن إن كانت جوهرة ثمينة في عين أمها فهي بالنسبة لأبيها لعنة.: البنت الجميلة جدا مصدر قلق وخوف لأبيها، خاصة وأنها تعيش وسط الذئاب المتربصة. لهذا قرر، وقراره مشمول بالنفاذ المعجل. ممنوع عليها تجاوز سُكاف البيت بمفردها. وحتى لا تكون عالة، على الأسرة يجب أن تشتغل رغم حداثتها.
ويقتصر عملها على صبغ القطع الخزفية الصغيرة وهي الدفوف المسماة محليا بالطعريجة، بغمسها في إناء مليء بالصباغة ذات اللون الأبيض ثم عرضها لأشعة الشمس حتى تجف، لتمر إلى مرحلة ثانية، بحيث تلطخ يدها في صباغة ذات لون معين غالبا ما يكون أحمر، لتضعها فوق القطعة الخزفية، فترتسم كفها الصغيرة.، وتعيد الأمر مرات عدة .
أحيانآ تستغفل أباها لتصبغ الجدار بأشكال غريبة : حيوانات مخيفة ونساء ذات وجوه منتفخة وعيون حارقة. ... .
اشتاط ألأب غضبا و هددها إن كررت تضييع الصباغة بالضرب المبرح. أمها كانت الوحيدة التي تمعنت في خربشاتها لتستكنهها، لهذا ترددت بين تشجيعها أو توبيخها كما يفعل أبوها . و ليتخلص منها قرر تزويجها لأول طارق. وبين هذا القرار و إمكانية تنفيذه ، وقع حادث غريب للطفلة، فقد توقفت سيارة أجانب أمام البيت الموجود قرب الطريق ، كانوا ثلاثة زوج وابنتهما. أرادوا فقط أن يرووا عطشهم. َتوقفوا كثيرا أمام الجدارية ( المجخلطة) . و تبادلوا كلاما بشأنها، وحين تقدمت الطفلة ذات الثماني سنوات متمتمة كلاما غير مفهوم ولكنها عززته بحركات من يديها البضتين وبريق عينيها، أدركوا أنها هي صاحبته. نفحتها المرأة الأجنبية ورقة نقدية من فئة مائة درهم تشجيعا لها، كما قبلتها هي و ابنتها بينما اكتفى الأب بالابتسامة العريضة.
بمجرد أن غادر الأجانب مغتبطين، انقض الأب على الورقة النقدية، مرددا :" هادي فلوس الصباغة اللي ضيعتِ.". لم تغضب منه ففرحها بنفسها أكبر من أن تفسده ورقة نقدية.
مرت سنوات دون أن يطرق بابهم أجنبى ما، ولكن الطارق كان من المدينة،مدينة أزمور.
رفضت الأم رفضا قاطعا الأمر ولكن الأب كان قد حسم الأمر مع الضيف .أما المعنية بالأمر فلا رأي لها.
بعد أسبوع كانت( الشعيبية) في بيت الزوجية. لم تستوعب ما حصل، ولكنها ليست الوحيدة. التي سيقت إلى حضن زوج أكبر منها سنا. أما هي فحظها أرسل لها شيخا متوسط الحال.. .
بدأ يعنفها منذ اليوم الثاني لتكون طوع بنانه... البكاء لم يفدها لإخماد بركان الغضب الذي يزداد أواره داخل صدرها. آه كم اشتاقت إلى الصباغة و إلى تلك الرسوم العجيبة التي هي نفسها لا تعرف كيف ترسمها.
توسلت لإحدى الجارات أن تحضر لها ما تشاء لأن زوجها يمنع عليها الخروج.
كانت تستغل مكوث زوجها بدكانه لتبدأ في الإشتغال. مرت بعض الأسابيع قبل أن يكتشف خربشاتها.
أرعد و أزبد ثم مافتئ أن هدأ، خاصة لما تراءت له فكرة : مارأيك إن عرضتهم في الدكان؟.. اكتفت بتحريك رأسها إيجابا..
بعد يومين تغيرت معاملته، أو هذا على الأقل ما أحست به. ولكنه لم يفصح عن السبب إلا لما باع كل اللوحات. فقد أحضر بنفسه كل ما ستحتاجه لإنجاز لوحات أخرى.
لكن الزبائن وهم كلهم أجانب أصروا على معرفة الفنان الحقيقي. فلا أحد صدق بأنه هو. فقد عجز حتى عن الإمساك بشكل جيد بالفرشاة. و في الأخير اعترف بأن زوجته هي من يقوم بتشكيل هذه اللوحات ، ولكنه أقسك منعها من الخروج.و سيتراجع عن ذلك أمام بريق المال. هكذا سيخصص لها ركنا في دكانه تستغله كمرسم. وسيضطر من جديد إلى توسيعه ليصير مرسما ومعرضا. وأمام خجل الفنانة الصاعدة وانسيابية الألوان وتناسقها بشكل ذُهِل الأجانب الذين يفحصون كل لوحة على حدة، كما أنهم تأملوها وهي تنتقل كالفراشة من لون إلى آخر.
انتقل الزوج إلى دار البقاء وأغلق المرسم خلال فترة العدة. بعدها انفتحت أمامها أبواب المعارض الدولية. ومن هناك ستنترع اعتراف بلدها الأصلي.
َقبل وفاتها صرحت :" كم من شعيبية مغمورة موصدة دونها الأبواب ". انتهت.
عمر بنحيدي 20/2/2020
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق