...................
إبراهيم عبد الكريم
.................
قصة بعنوان: بدون عتاب.
كلما نظر الأستاذ هشام إلى تلاميذه، زاده مظهر سلمى المحزن قلقا يثير في قرارة نفسه مجموعة من علامات الاستفهام. يا ترى ما سبب تعاستها؟ هل بوسعي فعل شيء لاعادة البسمة إلى شفتيها؟
عرفت سلمى بوجهها البشوش المبتسم كلما ظهرت داخل القسم او خارجه، تلميذة نشيطة محبة للدراسة والتفاني في مساعدة الآخرين، تحترم الكبار والصغار، لكن مؤخرا تغير مظهرها، منذ شهر تقريبا أصبحت شاحبة الوجه، هزيلة الطبع، شاردة الذهن، تبدو وكأنها لم يغمض لها جفن منذ مدة اسابيع طويلة، تجلس على الطاولة دون أن تنبس بكلمة واحدة، تتخلل نظراتها اليائسة ملامح الألم في صمت وقد تاهت عنها الابتسامة، تميل الى الوحدانية والانعزال بعيدا عن باقي التلاميذ سواء داخل القسم أو خارجه.
لم يهدأ لاستاذ بال، فقرر مراقبة خطواتها في سرية تامة، كان يرصد تحركاتها للإطمئنان عليها. ربما ماتعيشه مجرد مرحلة عابرة كما يحصل غالبا للمراهقين وقصصهم الغرامية! من حين لآخر كان الأستاذ يطلب منها مشاركة اصدقائها وصديقاتها في عمل جماعي لعلها تتحرر وتندمج مع الآخرين لنسيان ما يشغلها. حاول استنطاق نظراتها الشاردة اليائسة لعله يصل الى معرفة لغز تعاستها، بدورها من حين لآخر تحاول إثبات حضورها بالقسم لكن في الحقيقة سرعان ما تحلق بفكرها خارج جدران القاعة، كانت حاضرة غائبة.تفاجئ الأستاذ بتكرار نفس الصورة اليائسة الحزينة طيلة الأيام والأسابيع المتتالية. انهارت في يٲس غامر، لا بد من فعل شيء للإطمئنان على صحتها الجسدية والنفسية.
سلمى الفتاة التلميذة التي لا يتعدى سنها الخامسة عشرة باتت في انزواء تام، بملامح مخيفة تدعو للتدخل العاجل قبل فوات الأوان. لابد من مساعدتها.
في الأيام الأخيرة ظهر عليها فتور في العمل الدراسي، أضحت فريسة الإهمال واللامبالاة بمحيطها وواجباتها الدراسية. ٲخيرا قرر الأستاذ استدعائها بدعوى مناقشة نتائجها ومستواها الدراسي، لكن في الحقيقة كان الهدف معرفة أسباب تدهور حالتها الصحية والنفسية، للأسف اعتذرت عن الموعد في آخر لحظة لاعتبارات عائلية كما قالت "كان لازم علي الرجوع إلى المنزل للاعتناء بٲخي الصغير" أضافت " نظرا لغياب كل من أبي وامي في عملهم" هذا ما صرحت به للكاتبة قبل أن تخرج من المؤسسة في اتجاه منزلها.
عادت الصورة أكثر تأزما، ومرة أخرى اعتذرت عن الموعد الثاني الذي كان مقررا مع استاذها، لكن هذه المرة طلب الاستاذ هشام تدخل طبيبة المؤسسة واستدعائها رسميا من الإدارة. ٲخير استجابت للطلب بالرغم من محاولاتها المتكررة لتفادي اللقاء خوفا من والدها. دخلت المكتب ببطء وكأنها مريضة، جلست وقد انسدلت على وجهها خيوط من الحزن ممزوجة بخوف أربك نظراتها، في البداية طلبت من الحضور كتمان السر عن والدها .
"فجاة قالت بصوت متلعثم وقد طأطأت رأسها "انا حامل"، صدمة، أطبق على مكتب مساعد المدير صمت شامل بنبرة الحيرة، أربكت حسابات الجميع، لا أحد ينبس ولو بكلمة واحدة، سلمى التلميذة حامل، مشكل كبير وقعت فيه لا سيما وأنها لا زالت صغيرة، تعرضت للاغتصاب حوالي الساعة العاشرة مساء حينما كانت في طريق عودتها إلى المنزل بعد حضورها حفل عيد ميلاد صديقتها. كتمت السر في صدرها خوفا من ردة فعل عائلتها بالخصوص والدها. كانت ترتعش وهي تفضي بسرها للطبيبة وقد اهترأت عيناها من كثرة الدموع، فجأة قالت بصوت خافت " كيف أستطيع مصارحة أبي بالحقيقة" أضافت بنبرة تائهة " سوف يقتلني " كل همها أنصب على موقف والدها دون ذكر أمها ولو مرة واحدة، بعد ذلك تنهدت تنهيدة عميقة ثم قالت بصوت خافت: " فكرت في مغادرة المنزل إلى وجهة مجهولة" أردفت قائلة " اريد العيش بعيدا عن أعين الناس خاصة اهلي ومعارفي". عاشت في رعب مستمر لمدة تزيد عن شهرين. الأكثر من هذا أن مغتصبها مازال يتجرأ ويعترض طريقها من حين لآخر لأنه يدرك أنها لن تفشي سرها لعائلتها او الالتجاء إلى القضاء لمحاكمته قضائيا. في الٲخير قررت إدارة المؤسسة استدعاء والدها واخباره بما وقع لابنته سلمى وعن حالتها الصحية المتدهورة وفي نفس الوقت الالتجاء إلى القانون لفتح تحقيق في الحدث. في البداية أظهر والدها تصلبه العنيد وحمل ابنته مسؤولية ما حصل، لكن بعد تدخل الطبيبة والأستاذ تم اقناعه ببراءة ابنته. لم يكن أحد قادر على انتشالها من دوامة التفكير في الاغتصاب الذي تعرضت له منذ شهرين إلا والديها. اخيرا تحقق هدف المتدخلين بمتابعة الجاني قضائيا، فرجع الدم يكتسح مجددا الوجه الشاحب لسلمى، طافت عليها ابتسامة حذرة. إنها نهاية إجرام كاد أن يسبب نتائج لايحمد عقباها على حياة تلميذة بريئة في مقتبل العمر/
إبراهيم عبد الكريم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق