....................
أحمد علي صدقي/المغرب
..................
قصة قصيرة بعنوان:
المريض الذي تعافى:
بعد أن أخذ منه المرض مأخذا واستولى عليه الإعياء والاكتئاب و فقدان الشهية وعدم القدرة على التركيز، كرهته زوجة ابنه و هددت زوجها بترك البيت إن هو استمر في العيش معهم فيه. حاول الزوج اقناع زوجته لاحتمال المريض و إن كانت تقلقها خدمته فسيأتي له بخادمة تباشر أمره. اقتنعت الزوجة بعد تردد وتخوف. قبلت اقتراحه، بشرط أن يبعده عن أعينها ويقيمه ببيت الصابون بسطح المنزل. قبل الزوج هذا الشرط إذ رأى فيه حسما أخف ضررا من هجر زوجته البيت والذهاب عند أهلها، فقد تحتك الأمور وتختلط الأوراق عنده فيتيه هو لوحده تيها بين متاهات هذه الأحوال. فالمرأة تأخذ الأبناء الى المدرسة، وتهيء طعامهم وطعامه، أما هو فلم يعد عنده وقت لهذا فقد اثقلته زوجته برغباتها فانهمك أشد الانهماك في عمله لكسب الأموال لتلبية هذه الغايات المجحفة ولكن ما العمل وهو يحب المرأة بشغف جعله يركع في محراب حبها ليلا ونهارا ولا يكل؟ تلبية لأغراضها، أخذ منه عمله كل وقته. فمن سيقوم بدورها لتسيير هذه الأمور إن هي غادرت البيت. أخذ الزوج أباه كرها إلى سطح تلك الغرفة بالسطح في انتظار قضاء نحبه. فرغم أنه لم يكن ابنا من صلب الرجل الذي تبناه من جمعية خيرية فقد كان يحبه لما أنفقه عليه من مال ولما اختاره له من أحسن المدارس لتعليمه وحتى عندما تخرج وعمل لم يرض له أن يكتري حجرة يسكنها بل أسكنه معه وبلا مقابل في هذه الدار الكبيرة التي رباه فيها وترعرع الطفل فيها حتى بلغ رشده. فقد بناها الرجل بعرق جبينه وبذوق رفيع وفضل أن يشاركه ابنه السكنى فيها حتى بعد زواجه. فالأبن يرى في هذا الفضاء أعز أيام طفولته و أخير أيام شبابه فهي بحبوحة نشأته وله فيها اليوم عيشته مع زوجته وأبنائه، فكيف يغادرها. أما الأب فقد اسكنه فيها وهو يتمنى أن يرى فيها قربه أحفاده وخلفته. فهو لم يلد وزوجته ماتت بعد تخرج هذا الطفل المتبني التي سهرت على شؤونه، لكن ماتت و لم تنعم معه ولو بقطمير عطاء بعد تخرجه... كان هذا الولد المتبنى يحب أباه وكانت زوجته هي الأخرى تحبه أو ربما تتصنع حبه... فهما الاثنين في أول عشرتهما كانا يتعاملان مع الشيخ بأخلاق و أنس و غدق في العطاء...
كان للزوجة هم ترعاه وتسعى لتحقيقه فكانت تحث زوجها بدون عناء أن يقنع الأب بأن يكتب له هذه الدار باسمه قبل موته. كانت تخاف عليه من إخوة الرجل الذين إن مات انقضوا على موروثه فتضيع الدار منهما... كانت تنتظر موته بشغف فلما استعصى على الموت وامتنع عن كتابة الدار لابنه، كرهته و اعتزمت الانتقام منه...
فرش الابن ذلك البيت الضيق لأبيه و أخذ له خادمة لإطعامه. استمرت الخادمة في عون المريض لمدة لكن بعد تعبت، فهي الأخرى كرهته وملت خذمته. فالرجل أمسى لا يستطيع الذهاب الى دورة المياه لقضاء حاجته فعافت منه هذا وأبغضته لصياحه وتألمه فتركت العمل وانسحبت. لقد أصبح الرجل كومة من العظام تستنجد بكل من مر بقربها، وتتمسك به لحك جلدها، أو لإطعامها، أو لاستحمامها... ضعف الرجل حتى بات جلده أكبر من جسده وبانت عظامه وغارت عيناه...
مرت عليه أيام وهو بهذا البيت الضيق يقتات بما يجود به عليه حفيده الصغير مما يتبقى من طعامهم. مع الدوام قادته خواطره للتفكير في الانتحار. اصبح يريد للتخلص من نفسه التي ذاقت من شراسة أهله وخذلان الزمان له، ما لم يحسب له حسبانا فيما مضى من أيامه...
هكذا ضاقت عليه داره الواسعة بما رحبت، وهكذا عامله أهله فيها. استكره العيش وكره من يعيش معهم. خذلوه و تناسوه و عاملوه بقسوة حتى أنهم، لما أخذ ابنه العطلة زودوه ببعض الزاد وسافروا لقضاء أيام عطلتهم تاركينه لوحده يتخبط في متاهات شؤونه... يئن ولا من يسمع أنينه و ينادي ولا من يلبي نداءه، يسترحم ولا من يرحمه فترك أمره لله. فهو خالقه وهو القادر عليه...
ذات يوم، بعد احتمال رائحة أوساخه و ما جره عليه عدم تحركه، صرخ كثيرا وبكى كثيرا حتى أغمي عليه... لم يستيقظ إلا وقد وجد نفسه في بيت كبير مفترش فراشا دافئا مريحا وامرأة جالسة بقربه تلوح أمام وجهه بمروحية ورقية تخفف عليه من حرارة الصيف التي ضيقت عليه تنفسه. حاول النهوض لكن استحال عليه ذلك... حاول الكلام فلم يقدر... بكى ثم اطمأن فضحك فعاد إلى نومه... عندما استيقظ هذه المرة، وجد نفسه وسط جمع مهتم به. رجل وامرأة وابناء يحيطون به وقد احضروا له أكلا ودواء. نظر للرجل فلقيه جاره الذي يسكن بجواره. ناولوه الدواء وأطعموه فرجع إليه شيء من طاقته مكنه من القدرة للتحدث إليهم و استفهامهم كيف هو عندهم وكيف تمكنوا من الوصول إليه. قال له الرجل:
- لقد سمعت زوجتي أنينا محزنا بسطح داركم. ولم يخطر لنا بالبال أن نجدك لوحدك بهذا البيت. لأننا علمنا أن ابنك في عطلة وظننا أنكم قد سافرت جميعا. تساءلنا عن هذا الأمر فصعدنا جميعا نتقصى موضوعه. بعد استماع و تردد، قفزت من فوق الحائط ودخلت ذاك البيت فوجدتك مغما عليك. ما كنا نتخيل أنهم تركوك هنا مريضا لوحدك. قال المريض:
- تركوني وما عابوا على أنفسهم ولا عاتبوها. سيبوني لوحدي ولكن تولى خالقي وخالقهم أمري فأنقذني بكم. سبحانه ما خيب أبدا أحدا وكًل أمره اليه. قال له جاره:
- مرحبا بك بيننا حتى نخبر ابنك بالواقع, قال المريض:
- من فضلك إن أردت أن تكمل عملك وتحتسبه لله فلا تخبر أحدا بما حدث و لا تخبر ابني بما فعلته. أتركه سيدي يكمل عطلته مع زوجته وأبنائه في هناء بعيدا عن همومي فهو كان في عمل شاق طيلة السنة وليس له للراحة منه إلا هذا الشهر. فاتركه يتنعم بعطلته... قال له الجار:
- أتقول هذا فيهم رغم ما فعلوه بك؟ أجاب:
نعم فهو ابني وإن لم يكن من صلبي. فأنا من سعى لتبنيه وأنا من تعهد بتربيته فهو مسؤولية على عاتقي ولن أكرهه أبدا. فأنا أطلب من الله أن يسامحني إن أخطأت ولم أحسن تربيته... قال الجار:
سمعا وطاعة سيدي. فأنا وزوجتي وأبنائي نحن في خدمتك الى أن يرجع ابنك.
برئ الرجل و رجع إلى بيته بعد أن كسر قفل الباب الذي اغلقوه عليه قبل السفر... تعافى المريض وبعد أن اطمأن جاره عليه سافر مع أبنائه ولم يخبره أين ذهب.. انتظره كثيرا ليودعه لكنه لم يأت. هاجر الشيخ المدينة ولم يترك أثرا يدل على أين ذهب ولا إين استقر... رجع جاره من سفره فذهب ليزوره لكنه عندما قرع الباب خرج له رجل آخر لا يعرفه. سأله عن صاحب المنزل فقال له هذا:
- لقد باعني الرجل هذا المنزل وترك لي رسالة لأسلمها لك ومضى... ناول المغترب الرسالة للرجل الذي أخذها ودخل لبيته ليطلع على ما تحمله بين ثناياها... كان يقرأ الرسالة ودموعه منهمرة على خديه. رأته زوجته فسألته عن السبب فناولها الرسالة. فقرأت:
جاري الوفي، كيف أشكر لك صنيعك وأنت انقذتني من موت محقق. كيف أقدر لك الشكر بالكلمات ولك في القلب ما يعجز القلم عن تسطيره. أريد أن أشكرك بما أنت أهل له لكن الحروف عجزت عن هذا. فلك امتناني واعجابي ودعواتي بتوفيق الله وحسن الأمنيات.
جاري العزيز ما تبقى من الرسالة فهو يخص ابني وهو أمانة عندك لتقل له هذا توبيخ من أبيك الذي يقول لك أنك ابنه وهو يحبك لكنه يعاتبك بعض الشيء لأنك لم تؤد رسالتك المتوقعة اتجاهه...
تابعت الرسالة: لن ألومك يا ابني بل ألوم نفسي فربما لم أنجح في تربيتك كما يجب وهذا نقص مني وليس منك. فأنت، رغم كل شيء، ابني وقطعة من لحمي لن استطيع بغضها ولا كرهها مهما كانت قساوتها. فأنا يا ولدي قد عرفت أنني في نظرك قد متت فلا تبحث ولا تسأل عني. أنا مسامحك يا أبني أمام الله عن كل ما حدث. أطلبه أن يعينك على أمورك وأن يصلح بالك ويصلح زوجتك وأبناءك. فسامحوني إن أنا تجرأت وبعت هذه الدار بدون مشاورتكم. فما بعتها إلا رغما عني وذلك لكي أوفر ما أعيش به حتى يأخذني الله الى عفوه وهو خير العافين...
الامضاء: أبوك الذي تبناك و أصبحت قطعة منه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق