الاثنين، 6 أبريل 2020

................
روضة القاسمي الطاهري
............

الجزء الثاني
أمضينا وقتا ممتعا معا. انتشيت برفقته. أمضى الليلة في مبيت الذكور الذي كان بجانب مبيت الإناث. ومن الغد غادر وكان بكاء ونحيب ودموع. وتتالت لقاءاتنا كل مرة بالكلية يأتيني ساعات ويغادر ليعود لعمله.
وحلت العطلة الصيغة وارتقيت إلى السنة الثانية وهي سنة مصيرية تؤهلني للتدريس حضر نتيجتي وكان اول المهنئين. وطلب مني أن أعلم أهلي بأنه سيحضر لخطبتي مجددا. وأعلمت والدتي فقالت "انا موافقة ولكن الموافقة النهائية لأخيك". وظللت انتظر عودة أخي التي تأخرت ثلاث سنوات. و ظل أهل حبيبي يحضرون اكثر من مرة للحصول بالقبول. ولكن الرفض المهمين كان زادهم في كل حين. .
الحقيقة ان ذاك الموقف المتأرجح بين الرفض والقبول يمديني. جعل مني شابة مهزوزة الإرادة هشة الروح. أحيانا كثيرة أشعر بالذل والهوان. وانا أراه يتحمل من أجلي صلف العائلة دون موجب رغم أنهم يسعدون لحضوره فيصنفون أطباقا مختلفة ويجعلون للمنزل بهرجا جديدا يوهمونني بموجب ذلك أن الأمور بخير ولكنهم يخيبون انتظاري بت لا أرى لعدم الموافقة. واتساءل "لمَ يغادر وأهله موزعين بين الأمل واليأس بين الرجاء والإحباط بين العدم واللامعنى..؟ ؟

ثماني سنوات من الوجع وأنا أنتظر أ ن يوافق أهلي وأن يتقبلوا من أحبه قلبي ولكن لا جدوى.
نسيت أن أن أشير انه في السنة الثانية بالمرحلة الجامعية هاتفني حبيبي ليعلمني انه تم عزله من الوظيفة العمومية بتهمة معارضة السلطة ومات الحلم. واجهض الفرح في عيني واندثر الوعد. وتهت في الهواجس؛ اهلي لم يتقابلوا وجوده في حياتي وهو صاحب راتب وعلم فكيف سيتقبلونه وهو ابن الوطن العاق؟ وهو الذي يحمل عارا من منظورهم ومنظور من يعرفوننا؟

السلطة خط أحمر سيكلفنا حياتنا وسيوف يكلف إخوتي دراستهم وسيقضي حتما على لقمة عيشنا. لذا حدثتني امي ذا أمسية بعد أن عدت في زيارة الي بيت أهلي وكنا بمفردنا وقالت وهي تحاول إقناعي" يا ابنتي، هل كتب علينا أن نعيش الوجع؟ هذا الشاب لا يناسبك انظري قريبك فلان له منزلا في كذا.. وقريبك طبيب سيجعلك أميرة وقريبك ... " وقاطعتها " أمي كفي، رجاء لن أكون لسواه سأعيش معه على أوراق الشجر . سأكون معه هائمة في أرض الله. لن آتيك لن أسألك رحمة بي ولا صدقة. لن اطلب منكم معونة وإن بت على الطوى"
ولكنها ردت " اسمعي لن تكوني له ولا لغيره. ظلي هنا، لن ارحم دموعك" حينها قلت لها " قسما يا أمي قد أجعل حزنكم مديدا إذا رفضتم ان يكون لي"
وتركتها وحملت من الغد حقيبتي وعدت إلى الجامعة.
كان النظام حينها في أوج سطوته يضرب بيسيف من نار ويدك عظام من يقف في وجهه والحقيقة ان حبيبي كان ذا فكر نيّر لا ينفك في جلساته بالمقهى يتجادل في مواضيع السياسة والعقل والوطن والمواطن وتناقش ومن معه مستندا إلى فلاسفة عصر التنوير وكان بالنسبة لمجادليه من الطبقة المثقفة معلما بالمعنى الفلسفي للكلمة وكانوا مدريديه لرجاحة عقله وثقافه العالية كان مثلا لمن تمسكوا بالثوابت وذادوأ عنها فصار رمزا للتمرد والثورة . ودبروا له بليل وهتّكوا صرحه. فما كان منهم إلا أن دونوا وحبروا وأعلنوا في شهادة زور أنه ضد الدولة والقانون وصودر حلمي من جديد وبت أشد حزنا واكثر وجعا وأ لما.

سبعة شهور وانا انتظر رسالة. انتظر زيارة. انتظر حضوره وهما أو حقيقة. ولكنه أبدا لم يبن. لم يحضر. كان هو الآخر قد ألغاني من ذاكرته موقنا أن مصيرنا أضحى بيد العبث والهذيان وطلقني من قلبه ووجدانه دون عود. كل تلك الندوب ظلت تتقاسمني وانا موزعة بين الأهل وسطوتهم والسلطة وبأسها وحبيبي وجرحه الحزين
كانت نهاية الأسبوع في الكلية موسم فرح للجميع. تتبرج الطالبات ويعتنقن عناقيد الفرح ويهمن بحياة طيبة. وكانت بالنسبة لي جرحا بليغا. اوصد دوني أبواب الحلم وانطو ي علي نفسي في غرفتي أراجع دروسي فليس لي أمل في الحياة إلا الشهادة العلمية ويومها كانت عشية باردة تساقطت حبات البَرَدِ، وهمى المطر غزيرا وفيما كنت في غرفتي اتقاسم والفراغ خوائي نادتني زميلتي لي وأطللت من نافذتي فأخبرتني ان إسمي مسجل بقائمة من وصلتهم رسائل. هرعت إلى بريد المبيت واستلمها. وكانت المفاجأة رسالتي منه وهذا نصها
ذكرى الحبيبة
لا أعرف كيف ابدأ ولا كيف أحدثك عن وجعي. ولكن سأكون خفيف ظل كي لا ازيدك جراحا. اليوم ترائ لي طيفك بين نوم وسهاد فرأيتك وارفة الحزن وكم كنت بهية في حزنك ذاك والوجع يجلل عينيك العسليتين. فخطر لي أن اكتب لك ما يلي
طفلتي الصغيرة، يا عصفورة قلبي إني محاصر بالرماد وأنا بين كثبان الرمال وانت لازالت شابة يافعة أمامك أحلام كثيرة بإمكانك تحقيقها. وأما انا فلا حلم معي دربي أ شواك ولا أعلم متى أعود إلى عملي ولا اعرف متى يكون الفرح بين كفينا وجنبنا أنا يا صغيرتي فارس بلا جواد انا حلم بلا جمال انا شوكة في بركان رماد أرحلي مادام الفارس الذبيح لا يمكنه ان يفك أسر اميرته
مودتي كفي
وجع الذاكرة
مذكرات مراهقة
روضة القاسمي الطاهري
تونس في 05أفريل 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق