...............
حيدر غراس
............

الجنائز المعلقة
........
١
قبل أن يبدأ الفجر، هربت المدينة بأجمعها نحو النهرتبحث
عن زورق صغير.. إلا تلك المرأة المثقلة بحمل أحشائها كانت قرب الجرف تطوف... قالت امرأة عجوز: "ضعي في بطنك زورقا صغيرا سيكبر، و سيبتلع المدينة..!!".. المرأة المثقلة كانت بالحكمة من شيء، لم تعر قولها حكماً، اكتفت ببلع الصمت، و بقيت حيث النهر، الأمر لم يقف عند هذا الحد..
بدأ الفجر، و المدينة كما هي،
غارقة بسباتها، إلا من باعة أسطوانات الخوف، بألحانهم المشروخة، و رهط من السكارىبالخمر المغشوش، يوهمون أقدامهم بسباق الريح،
فتثكل فيهم طرقات معوجة، يقفون بترنح قبالة حامل أختام المدينة، فتعود المرأة العجوز للمشهد.. و تقول: "اشربوا نخب بطونكم سيسكر النهر..!!"، إلا أن المرأة المثقلة هذة المرة لم تكن بالحكمة من شيء، و لم تكتف ببلع الصمت،
ابتعلت النهر، وغص بأحشائها زورق صغير،..
٢
العجائب الكبرى لا تأتي جزافا
كما هي المصائب لا تأتي فرادا، هذا ما أخبرتنا به العجوز، (بدليل المهندس) يحبو مسرعاً يحث الخطى حيث النهر، و المدينة تمتطي ظهر سلحفاة، و تخفي رأسها،
تأمل بلحق الركب، و تخفي بين يديها عورتها..
الآن المرأة المثقلة استعادت من أرنبة الحقل بعض حليبها..
راحت تلقمه فم النهر فلم يغص الزورق هذة المرة بين أحشائها..
٣
سرب التوابيت الطويل، لا أدري لم كانت بمقاس واحد..؟! رص بعناية كبرى بين جنبات حاويات
الميناء، لكن نهر المدينة لم يكن بتلك الشدة لاحتوائها،
أفرغوا منها الجنائز، إلا جنازتين حيرني أمرهما، إحداهما كانت جنازة العجوز،
تنمو بأحشاء المرأة المثقلة، و الأخرى للمرأة المثقلة... فتموت المدينة في بطنها..!!
.
*حيدر غراس*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق