................
خالد عبداللطیف
...............

في ذلک الصباح الباکر،کانت ریاح باردة تتسلل خلسة بین الدروب،وتحرک معها أوراق اشجار الکالبتوس الصفراء المتساقطة،وفی بعض الزوایا الشبه الفارغة کانت امرأة فی العقد الرابع من عمرها تحمل سلة کبیرة مملوءة بالخبز الساخن،کانت تسرع الخطی لتوصل البضاعة لأصحاب المحلات التجاریة،وفي منعطف اخر من حي لقواسم،رجل یترنح ویتمایل یمینا وشمالا،من بقایا لیلة خمریة شرب فیها حتی طفح به السکر،سطعت انوار صباح جدید،مشبع بقطرات من مطر خجول،یتمدد عبر الفضاءات المختلفة،ارتفع الایقاع وتحولت الزخات المطریة الی انهمار قاس وسریع،یتقن عملیة الوخز علی الاجساد والتراب الیابس.فی ظل هذا الجو المتقلب رفعنا ایقاع خطانا نحن العابرون فتیحة وهذا العبد المعذب،کنت ارتعش کقصبة فی مهب الریح،نظرت إلي نظرة أخت حنون وقالت لی:
-لاتقلق سنجد الرفیقة،إن هناک فی قبیلة أهل المربع.
سلمت أمری لله،وکنت کفرخ داٸخ،بسبب سفر لیل طویل مع ام فتیحة کنت اقود فیها سیارة فی لیل بهیم.
منذ أسبوع لم أر الرفیقة بتادلة،قیل لی أنها ذهبت فی رحلة مدرسیة نظمها تلامیذ الثانویة،قلت فی نفسی:” دعها ترفه عن نفسها قلیلا،وتغیر الأجواء،دعها تسافر ففی السفر سبع فواٸد،ولم أعلم أن فی السفر سبع مصاٸب.
انتظرت عودتها،لکنها اختفت کفص ملح ذاب وسط الماء،جاءتنی الصور من کل صوب وحدب وهی محمولة بین أذرع شاب من بنی جلدتها،بنی عمیر الغربیین،من شدة الغضب والغیرة لعنت الشرق والغرب وکل الاتجاهات،قلت فی نفسی،مهما یکن سأنتظر حضورها ،وفي غرفتنا السریة سنناقش الأمور بکل هدوء،سنصل الی حل،سنتجاوز الأزمة،وسنشق الطریق نحو غد أفضل،سنتصالح علی جنبات أم الربیع،سیمنحنا ضریح عکو لیوی طمأنینة جدیدة،ستخفف عنا النخیلة کابتنا الصماء،ستفتح دروب حي بودراع أذرعها لاحتضاننا لأننا جزء من تربتها وعلامة من علامات هویتها،فی الطریق کانت فتیحة تغزل الوقت بابتسامة شاحبة فضحتها عیونها،لم یکن فی الطریق الطویل غیر وحل بني جددت حبیباته أمطار الخیر،لم أر خیرا بل شرا مستطیرا ساندته نباح کلاب شرسة،کنا نحاول مراوغتها عبر رجمها بالحجارة تارة،أو رمي هلالیات مصنوعة من الدقیق والسکر.
طال المسیر،وطالت معه هذه الوساوس التی کانت تنهشنی من الداخل کخلایا سرطانیة،شملني دوار ذکرنی بأیام السباحة الاولی ضد تیار نهر ام الربیع.
السیر الشاق والانتظار للأسوإ،جعلنی أشعر بجفاف في حلقي،لأول مرة أشعر برجلای تخونني،ووهن حارق یمارس جبروته علی جسمی.
بعد ثلاث ساعات من المشي وصلنا دوار أهل المربع،کانت خیمة فارغة من مدعویها،ونساء یغسلن اوانی طبخ کبیرة وصحون مختلفة،اقترب منا رجل طویل القامة وقال لنا:
-لقد جٸتما متأخرین،البارحة کان العرس والاحتفال ولو حضرتما لعشتما لحظات سعیدة وجمیلة وتعشیتم معا،ولکن لاعلیکم سنعد لکم عذاء شهیا مایزال الخیر.
دققت النظر فی وجه الرجل،انه وجه مألوف لدي،لقد رأیته فی مکان ما ،ولحظة شملتنی العنایة الالهیة،انه بوشعیب صدیق الراحل سلیمان کانت تجمعهما صداقة الدخان اقصد تدخین القنب الهندی،نظرت الی فتیحة وقالت لی:
-انه خال الرفیقة.
صعقت من هول الصدمة.
وباندفاع وعجلة سألته:
-مبروک مسبقا من تزوج.
دخن سیجارة وبفخر واعتزاز قال لی:
-سمیرة.
حاولت الوقوف ولم استطع،اسندتنی فتیحة الی جذع شجرة،وبنبرة حزینة قالت لي:
-دارتها اللفعة...تزوجت عمیریا شرقیا لیأخذها الی الطلیان.
خالد عبداللطیف
یتبع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق