السبت، 27 أغسطس 2022

 ...................

أمين الساطي

...................



قصة قصيرة
الطابق الخامس والعشرون
بقلم أمين الساطي
لم يشعر إلا وجسمه يهوي من شرفة شقته في الطابق الخامس والعشرين، التي كان قد انتقل إليها مع زوجته منذ أسبوعين.
للوهلة الأولى أحسَّ بنفسه وكأنه معلّقٌ في الهواء، ثم فجأة بدأ يندفع بسرعة كبيرة نحو الأسفل، منذ البداية ومن شدة خوفه تصوّر أن قلبه قد توقف عن الخفقان، وأنه على أبواب الدخول في مرحلة فقدان الوعي. بعجلة تراءت له علاقته القوية بربِّه، وإيمانه بأنه سيغفر له خطاياه، ويدخله الجنة، ليتخيَّل بعدها بأن جميع الأمراض المزمنة التي يعانيها، ومشكلاته المادية كافة قد أصبحت الآن خلفه، فانتابته حالةٌ من الارتياح، لم يكن قد عرفها إلا في أيام طفولته الأولى، لقد تحققت في هذه اللحظة جميع رغباته المكبوتة.
أخذت الخيالات تمرُّ سريعاً، كشريط سينمائي أمام عينيه، فتداخلت صورة ابنه الوحيد مع ملامح والديه وإخوته، ثم هيمن على عينيه بالنهاية بشكل قاتم شبحُ زوجته وهي تدفعه من حافة البلكونة.
وقبل أن يصطدم بسطح السيارة المركونة إلى جانب مدخل البناء بأقل من عدة سنتيمترات، استيقظ مذعوراً من نومه، ليتخطَّى ذلك الكابوس الذي عاشه، بسبب خليط هذه المشاعر المتضاربة والمتناقضة التي تعشِّشُ في رأسه، ولو أنه قد تأخر لجزءٍ من الثانية عن الاستيقاظ، لكان فعلاً قد ارتطم بسطح سقف السيارة، ومات بالسكتة القلبية نتيجة لشعوره الحقيقي، من شدة هذا الارتطام.
التفت مذعوراً بعد نهاية الكابوس إلى يساره، ليجد زوجته السمينة ما زالت مستلقيةً إلى جانبه على الفراش، نائمةً بهدوء وهي تشخر بصوت مزعج ومتقطع. أصبح من المستحيل أن يعود إلى النوم من جديد. انسحب إلى غرفة الجلوس، وهو يشعر بالإرهاق والكراهية تجاه هذه المرأة البدينة.
جلس على الكنبة وأخرج من علبة خشبية بجانبه ورقة رقيقة للسجائر، وضعها على الطاولة أمامه، خلط التبغ مع كمية قليلة من الحشيشة اللبنانية، وزّعها بالتساوي على طول الورقة ثم لفها، فحصل على سيجارته المفضلة. إنه يتلذّذ كثيراً بلفّ سيجارة الحشيشة. أشعلها واستنشق دخانها بعمق ونفثه، فبدأ يستمتع بمشاهدة سحابة الدخان وهي تصعد في الهواء على شكل حلقات، فأخذ نفساً ثانياً ونفخ الدخان بقوة، فاندفعت هذه الحلقات اللولبية إلى الأعلى لتتداخل مع بعضها بعضاً.
إنّ أفضل أوقات يومه هو منتصف الليل، حين تهدأ الضوضاء. فيشعل سيجارته، وينطلق في أحلامه، ليصيغ عالمه من جديد. أخذ يتصور بأن جميع مشكلاته ابتدأت بعد زواجه من هذه المرأة التي كانت صديقة لأخته، ولعل الدافع الوحيد لزواجه منها تلك الشقة الصغيرة في الطابق الخامس والعشرين، والتي ورثتها عن أمها. إنه يكنُّ كراهية لا يعرف سببها لتلك المخلوقة، لقد خطر له عدة مرات بأن يطلقها، لكن معاشه الذي يتقاضاه من وظيفته كمراقب فني في وزارة الأشغال العامة، لا يكاد يكفيه لاستئجار شقة متواضعة، ولطالما فكّر مراراً بأن يتخلص منها بدفعها من بلكونة الشقة، لكنه يدرك بأعماقه بأنه رجل ضعيف وجبان وغير قادر على تنفيذ ذلك. بتلك اللحظة أحسّ بحقد على أخته التي كانت سبباً في هذه الزيجة، وانتابته أيضاً كراهية عميقة لجميع الأشخاص الذين يعرفهم، تمنى لو تقوم الحرب العالمية الثالثة، وتستخدم فيها القنابل الذرية لتقضي على هذا الجنس البشري الذي لا يستحق الحياة.
مضت ساعات وهو جالس بسكون يجتر هذه الأحلام، فجأة قطع شريط تخيلاته صوت زوجته الأجشّ: "يعلى عيونك قاعد عم تحشّش، قوم حضّر حالك، صار وقت ذهابك لشغلك". في هذه اللحظات لم يكن لديه الرغبة في أداء أي عمل، وليس عنده القدرة على التركيز، لكن خوفه من زوجته دفعه إلى غسل وجهه وارتداء ملابسه بسرعة، لكي يبتعد عنها منطلقاً إلى وظيفته.
فتح باب الشقة، واتجه بعجلة نحو المصعد، كبس الزر المخصّص لاستدعاء الهبوط، لم يحدث شيء، ولم تضئ الإشارة لتدل على أن المصعد في طريقه إليه، كما لو أن الكهرباء كانت مفصولة تماماً، فشعر برهبة، فضغط الزر من جديد أكثر من مرة، ظناً منه بأن المصعد سيأتي بسرعة، وقف ينتظر بخوف وصول الكابينة، بالنهاية انفتح باب المصعد، فتنفس الصعداء واندفع بلهفة إلى داخله، لم تكن الكابينة على مستوى أرضية الطابق، حيث إنها كانت موجودة في ذلك الوقت في بئر المصعد، ربما نتيجةً للإهمال في الصيانة، فهوى من الطابق الخامس والعشرين إلى حفرة المصعد ليلاقي مصيره، مستسلماً لقدره من دون أدنى مقاومة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق