الثلاثاء، 11 مايو 2021

 ...............

إبراهيم عبد الكريم

...................



قصة مستوحاة من واقع فيروس كورونا تحت عنوان:
كورونا وشبح الموت
حينما رن جرس الهاتف، كانت عائلة السيد احمد ملتفة حول مائدة الفطور، فجاة خيم الحذر والانتظار داخل القاعة، لا صوت يسمع إلا ضجيج السيارات المارة بجانب المنزل. الكل ينتظر ردة فعل علي، الابن البكر، للرد على الهاتف، حتى الجدة العجوز توقفت عن الٲكل لتحلق بعيدا بتفكيرها ونظراتها اليائسة في ترقب ما يمكن أن تأتي به الأخبار عن طريق الهاتف حول مصير زوجها المريض. الهاتف، آه كم أصبحت تلك الآلة ممقوتة من طرف عائلة السيد احمد، الجسد أصبح يرتعش لسماع رناتها.
بعد تردد وتأمل، نهض علي من مكانه بخطى بطيئة تعكس شعوره بالخوف لما يمكن أن تحمله الاخبار من المستشفى، كان يردد قوله : الله يسمعنا اسمع الخير". قبل أخذ السماعة، تنهد تنهيدة عميقة ليسترجع قواه للرد على مخاطبه.
" السلام عليكم سيدي"، بلا شك صوت الطبيب، توقف مهلة ثم أردف قائلا "هنا مستشفى ابن سيناء". بمجرد سماع كلمة "المستشفى" انطلقت نبضات قلب علي بسرعة فائقة وكأنه في سباق الماراطون.
كان والد علي يرقد بمستشفى ابن سيناء منذ أن أثبتت التحاليل مرضه بفيروس كورونا 19. لقد أصيب بالمرض بالمقهى حين كان برفقة أصدقائه المتقاعدين من قدماء رجال التعليم. قبل أسبوعين أصيبوا بالفيروس وهم الآن بالمستشفى للمعالجة لكن الأخبار كانت سيئة في آخر زيارة قام بها علي لابيه، حتى الزيارات كانت ممنوعة لأكثر من فرد واحد من العائلة.
ارتعش جسد علي من اعلى رأسه إلى اخمص قدميه وهو يمسك بالهاتف، حاول الترجل للرد على مخاطبه لكن الارتعاش والخوف أصاب شفتيه ولسانه ليتحدث بصوت متهدج قائلا" وعليكم السلام، أردف قائلا:" أنا ابن احمد، اسمي علي" اضاف " فيه خير ان شاء الله يا دكتور" كان يتحدث مع الطبيب بمعنويات ضعيفة.
توقف الدكتور هنية ثم استمر في كلامه قائلا" عزائي لكم وللعائلة، لقد توفي والدكم في الصباح الباكر من هذا اليوم" تابع بقوله" قمنا بالمستحيل لكن أجله انتهى، لا مفر بقدر الله" ثم أغلق الهاتف.
في هذه الأثناء صرخ علي بصوت مرتفع قائلا " الله ٲكبر، أبي توفي" ٲردف قائلا " لا اله الا الله، لا حولة ولا قوة الا بالله العلي العظيم"، فجأة التف أفراد العائلة، صغيرا وكبيرا، حول علي، إلا أمه العجوز، التي لزمت مكانها وقد ترقرقت الدموع في عينيها، ٲدارت رأسها نحو السماء داعية لزوجها بالرحمة والغفران قائلة" اللهم ارحمه ووسع عليه" ثم أضافت بصوت خافت" إلى الجنة بحول الله بجوار حبيبنا المصطفى." ختمت قولها بصوت يكاد أن لا يسمع " اللهم الحقني به في اقرب وقت، كان زوجا طيبا، صادقا وامينا " بسماع هذا الدعاء، اشرأبت الأعناق نحو الجدة العجوز. لا أحد كان ينتظر هذه العبارات في حق الأب والجد. فعلا كان نعم الزوج، احبها الى اخر رمق في حياته. بعد ذلك رجع كل واحد إلى مكانه حول الطاولة لكن لا أحد يتم فطوره بل كل على حدى يفكر في المرحلة القادمة، حول الذهاب الى المستشفى والجنازة مع القيام بالإجراءات الضرورية لدفن ٲحمد لا سيما وأن فيروس كورونا ينتشر بوتيرة كبيرة وكثرة الضحايا بالملايين من المواطنين في العالم. لا أحد يريد الذهاب لحضور الجنازة، كما أن الحكومة قررت تقليص عدد الأشخاص في كل جنازة. منهم من حاول تغطية خوفه من تحديد عدد المشاركين في الجنازة ومنهم من أعرب عن رفضه علانية على عدم حضورها. في هذه الآونة نهضت الجدة، العجوز زوجة المرحوم، قائلة بصوت لا يترك سبيلا إلى الشك " حياتي مع جدكم دامت أكثر من أربعين سنة، فلتذهب كورونا إلى الجحيم" أردفت قائلة" لا أحد يمنعني من دفن زوجي، انا من سيحضر جنازته" كانت تتحدث بصوت صارم لا يترك مجالا للنقاش. لم يسبق لأفراد العائلة أن سمعوا صوت الجدة بهذه الطريقة.
فرنسا 10/5/2021
إبراهيم عبد الكريم
المغرب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق