الثلاثاء، 18 أغسطس 2020

...............
ــــ د. صالح العطوان الحيالي -
............




أم سليم " الرميصاء بنت ملحان ".. سيدة من نساء أهل الجنة
ــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي - العراق- 6-اب -2020
أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، اختلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل رميلة، وقيل رميثة، وقيل مليكة، ويقال الغميصاء أو الرميصاء، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار
وكانت خالة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الإمام النووي: "أم حرام أخت أم سليم، أنهما كانتا خالتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، محرمتين إما من الرضاع وإما من النسب، فتحل له الخلوة بهما، وكان يدخل عليهما خاصة، لا يدخل على غيرهما من النساء إلا أزواجه"
أسلمت أم سليم الأنصارية رضي الله عنها، ولم يسلم زوجها، فما كما منها إلا أن احتسبت عليه وعرضت عليه الإسلام، قال ابن عبد البر: "كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت له أنس بن مالك، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها، وعرضت الإسلام على زوجها، فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك"
كانت أم سليم رضي الله عنها من بداية إسلامها داعية إلى توحيد الله تبارك وتعالى، فكانت تلقن ولدها أنس بن مالك رضي الله عنه؛ شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهو طفل صغير، فقد روى ابن سعد في الطبقات، عن إسحاق بن عبد الله، عن جدته أم سليم أنها آمنت برسول الله قالت: "فجاء أبو أنس وكان غائباً فقال: "أصبوت؟" قالت: "ما صبوت، ولكني آمنت بهذا الرجل"، قالت:" فجعلت تلقن أنساً، وتشير إليه قل لا إله إلا الله، قل أشهد أن محمداً رسول الله"، قال: "ففعل"، قال: "فيقول لها أبوه لا تفسدي عليّ ابني"، فتقول: "إني لا أفسده..."
صحابية جريئة شجاعة صامدة صابرة يفيض الإيمان من كل ذرة من كيانها ليتدفق في أعماقها؛ دعوة إلى الإسلام ودفاعًا عنه هي باختصار امرأة لا كالنساء وأم لا كالأمهات، عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فسمعت فيها خشفة أي صوت وحركة فإذا هي بالرميصاء»، امرأة أبي طلحة، من هي الرميصاء؟ من هو أبو طلحة؟ ماذا فعلت حتى يبشرها النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة إنها أم سليم بنت ملحان النجارية الأنصارية واسمها سهلية وقيل رميلة وتلقب بالرميصاء أو الغميصاء.
صاحبة الذكاء النادر والعقل الراجح والخلق الكريم هذه المرأة قمة من القمم التي صنعها الإسلام، كل موقف من حياتها يبهر العقل ويخطف اللب حقاً أدهشتني رجاحة عقلها ، حينما أكتب عنها يختلج صدري كثيراً من المعاني يعجز البيان عن تسطيرها، قال عنها رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فإذا أنا بالرميصاء أم سليم بنت ملحان».
* وفاء منقطع النظير:
إنها امرأة من الأنصار صاحبة الجمال الباهر، والذكاء النادر، والعقل الراجح والخلق الكريم ، تزوجت بابن عمها مالك بن النضر، وأنجبت له أنساً، وكان ذلك قبل الإسلام، وحينها بدأ نور الإسلام يتدفق إلى المدينة حتى صادف قلبها، فأشرق بالإيمان صدرها فأعلنت إسلامها، ولم تفكر في فراق زوجها الذي تحبه، أو تعذيبه الذي تخاف منه.. وعندما علم زوجها غضب وثار عليها، وأخذ يتوعدها، ويهددها، ويقول لها: أصبوت؟ فتقول: ما صبوت، ولكني آمنت، وجعلت تلقن ولدها أنس الشهادة، فيعترضها زوجها، ويقول: لا تفسدي عليّ ولدي، فتقول: لا أفسده ولكن أهذبه وأعلمه، وعندما لم يجد زوجها مالك بن النضر سبيلاً لردها عن دينها الجديد أعلمها أنه سيخرج من دارها بغير عودة، وقد كان ذلك، وبالفعل خرج فلقي بعض أعدائه فقتلوه، وعندما علمت الزوجة الوفية بمقتل زوجها حزنت عليه كثيراً وقالت: لا جرم، لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يأمرني أنس، وكان ما قالت. فانظر كيف وفت الزوجة لزوجها، وهو على خلاف دينها، وهذا يذكرنا بموقف ابنة رسول الله زينب رضي الله عنها حينما وقع زوجها العاص بن وائل، وهو على الشرك في أسر المسلمين، فأرسلت تفتديه بقلادة أهدتها إياها أمها ليلة عرسها.فما أحوج بيوتنا إلى تلك النماذج الراقية والمعاني السامية حتى تملأها البهجة، فتنبت لنا نباتاً حسناً، فمن وفاء الزوجة لزوجها أن تتحمل زوجها إذا غضب.
ومن وفاء الزوج لزوجته أن يتحملها إذا غضبت على ألا يكون ذلك ديدنهم، فقد نهى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" عن الغضب ، قال أبو الدرداء يوماً لزوجته: «إذا رأيتني غاضباً فرضني، وإذا رأيتك غضبى رضيتك وإلا لم نصطحب».ومن وفاء الزوج ألا يفشي سرها، وألا يفضح عيبها، وكذلك الزوجة؛ {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} (البقرة:187).
ومن وفاء الزوجِ أن يوسع على أهله وعياله، والزوجة أن ترعى ذات يده، إلى غير ذلك من صور الوفاء التي ربما افتقدتها بيوتنا، فتحولت من نعيم إلى جحيم.
* أم سليم وفن تربية الأبناء :
عكفت أم سليم على تربية ولدها منذ نعومة أظفاره على تعاليم الإسلام إلى أن أصبح فتى يُعتمد عليه، فأخذته وذهبت به إلى رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، وعرضت عليه أن يكون فلذة كبدها ووحيدها أنس خادماً لرسول الله "صلى الله عليه وسلم".
يذكرنا هذا بموقف أم سفيان الثوري حينما قالت لولدها: «يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، يا بني إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر هل ترى في نفسك زيادة، فإن لم تر فاعلم أنه لا ينفعك»، يا الله امرأة تربي ولدها أن العلم لا يكون إلا دافعاً للإيمان والعمل.. فليس العلم عن كثرة الرواية ولكن العلم الخشية.
يرجع هذا المعنى بذاكرتنا إلى موقف سطره القرآن، وكتب له الخلود؛ إنه موقف تلك المرأة الزكية امرأة عمران، والتي قال الله عنها: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"35" فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "36"}(آل عمران).
قدموا الآخرة على الدنيا، فأعطاهم الله الآخرة والدنيا، إنها بركة التربية على الإيمان وتعلق القلوب بالآخرة ألا فلنفهم رجالاً ونساء كيف تكون التربية وطريق النعيم في الدنيا قبل الآخرة؛ {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ "97"}(النحل).
أما أنس، فقد كان من بركة خدمته لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" أن دعا رسول الله له بكثرة المال والولد وطول العمر ومغفرة الذنب، فرزقه الله من صلبه بأكثر من مائة وعشرين من الأولاد والأحفاد في حياته، وكان عنده بستان يأتيه بالفاكهة مرتين في العام الواحد، ومات وهو ابن 103 سنوات.
وأما سفيان، فقد أصبح أمير المؤمنين في الحديث يقصده الناس من كل فج عميق، وكفى به شرفاً.
وأما الثالثة، فقد خرق الله لها العادات؛ {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ "37"} (آل عمران)، بل وشرفها بحمل نبي من أنبيائه على خلاف ناموس الكون وجعله آية للعالمين؛ {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ"50"} (المؤمنون).
فإذا ربينا أولادنا على طلب الآخرة كما كانت أم سليم، صنعهم الله على عينه ورفع قدرهم في الدنيا والآخرة.
* أكرم النساء مهراً بعد أن ربت ولدها:
ووفت لمالك زوجها وسمع أبو طلحة برجاحة عقلها سارع يخطب ودها، ويطلب زواجها ويمنيها بالمهر الكثير، وكان من أثرياء المدينة، فقالت تلك المرأة العظيمة: لا ينبغي لي أن أتزوج مشركاً، أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينحتها عبد آل فلان، وأنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت، فأخذ يعرض عليها من ألوان النعيم، فقالت: لا أريد منك مالاً ولا نعيماً، ولكن أريد منك الإسلام، فذهب إلى رسول الله وأعلن إسلامه، فقالت لأنس: قم فأنكح أبا طلحة.يقول أنس: ما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم ..
ألا فليسمع الآباء والأمهات والبنات ، فمن أكبر المشكلات التي تواجهها كثير من مجتمعات المسلمين الآن الغلاء الفاحش للمهور، والذي أحجم بسببه كثير من الشباب عن الزواج.
ألا فلتسمعوا قولة عمر، وهو يصرخ من على منبره: «ألا لا تغالوا في صُدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، وما أصدق رسول الله امرأة من نسائه، ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية» أي ما يعادل أربعين ديناراً من الفضة تقريباً.وتزوج عبدالرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب أي ما يعادل تسعة جرامات تقريباً.
وزوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين أي ما يعادل ستة جرامات من الذهب تقريباً بعد أن خطبها الخليفة لولده فأبى أن يزوجها.وقال رسول الله للصحابي كما عند البخاري: «التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَلَمْ يَجِدْ، فَقَالَ: «أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ: «قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ».وفيما أخرج أحمد بسند حسن من حديث عائشة، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ "صلى الله عليه وسلم": «يُمْنُ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرُ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرُ صَدَاقِهَا».
نحن لا ندعو بذلك أن نعطي بناتنا لمعدم لا ينشط لعمل، فلابد أن يجتمع فيه الدين والخلق، وهما أساس العمل والطموح، ولا بأس إن كان متعثراً في بداية حياته، فكلنا ذاك الرجل.
يقول أبو بكر: «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى»، هكذا كان هو اختيار أم سليم لنفسها، فما اختيارنا لبناتنا؟!
* الرضا بالقضاء والقدر
مازلنا نستجلي الدروس والعبر من سيرة تلك المرأة المؤمنة حتى نتبين معالم الطريق إلى الآخرة.. وقد رزقها الله سبحانه بولد من أبي طلحة زوجها، وكان يُدعى «عميراً»، وكان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يداعبه ويضاحكه ويقول له: «يا أبا عمير، ماذا فعل النغير؟»..
وشاء الله وقدر أن يمرض هذا الطفل الذي يملأ الدنيا عليهم بهجة وسروراً، وذات يوم خرج أبو طلحة ساعياً كعادته على طلب رزقه، واشتد المرض على الولد حتى أسلم روحه إلى بارئها، ولك أن تتعجب ولك أن تنبهر من موقف تلك المرأة العاقلة الصابرة!نعم، مات ولدها فلذة كبدها لكنها لم تجزع بل صبرت صبراً جميلاً، وفعلت ما هو أعجب من صبرها على فقْد وليدها؛ فتجملت لزوجها وأعدت له طعامه، فأتى منها ما يأتي الرجل من أهله، بعد ذلك هيَّأت له منامه وتركته حتى استيقظ، فاختارت له من الكلام أجمله، فقالت: أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، فهل لهم أن يمنعوها؟ قال: لا، فقالت: لو شق ذلك عليهم، قال: ما أنصفوا، قالت: فإن ابنك كان عارية من الله فقبضه.فذهب لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" وقصَّ عليه الخبر، فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «بارك الله لكما في ليلتكما، فحملت في تلك الليلة ورزقهما الله سبحانه بـ«عبدالله»، فلما شب «عبدالله» وتزوج رزقه الله عز وجل بعشرة من الأولاد كلهم يحفظون القرآن.فلتتعلم المرأة التي تقيم الدنيا ولا تقعدها على أتفه الأسباب ، فلتتعلم ذلك المرأة التي تكثر من الشكوى لزوجها وأهلها بل وجيرانها ولا تشكر ربها.
إبراهيم عليه السلام ذهب لزيارة ولده إسماعيل عليه السلام فوجد زوجته كثيرة الشكاية، فترك له رسالة أن غيِّر عتبة بابك.كم من امرأة جازعة بسبب مرض ولدها، أو بسبب عقمها، وهي لا تعلم أن العطاء ربما يكون في المنع، وأن من تأمل حكمة الله تعالى في المنع صار المنع هو عين العطاء، فربما رزقها الله بولد عقَّها أو ابنة عُيِّرت بعد ذلك بها.الرضا بالقضاء والقدر يجعل النفس هادئة مطمئنة مستبشرة مستقرة، وها هي إحدى العابدات أصيبت بجرح في قدمها فضحكت، فاستغرب القوم لذلك! فقالت: «حلاوة أجْرها أنستني مرارة ألمها»..
تقول إحدى الدراسات كما ينقل لنا د / عبدالكريم بكار: «إن هرمون «الدوبامين» الذي يفرزه الجسم عند الضحك أو الشعور بالسعادة والرضا هو نفسه الذي يحفظ خلايا المخ من التلف، ويجعله نشطاً، وكلما زاد إفراز هذا الهرمون؛ كان النشاط الذهني أفضل»، فالقناعة والرضا صحة نفسية لها، يحافظ على عقلها، وصحة نفسية لأولادها وبيتها.
ما أحوج الأمة أن تتعلم من تلك الأم الصبر في الأزمات، فالصبر لا يأتي إلا بخير، لما أن صبرت رزقها الله تعالى بعشرة من الأولاد، كلهم يحفظون القرآن، وبارك لها في «أنس».
فإلى هؤلاء الذين يشيعون البؤس في المجتمع، ولا يتحدثون إلا عن الانهيار الاقتصادي، أقول: بدلاَ من التحدث بهذه اللغة السوداء، اصبروا، واعملوا على حلٍّ يدفع بالأمة نحو التقدم والارتقاء، بدلاً من أن نكثر من العويل والصياح كتلك المرأة التي تفسد بذلك بيتها، فالأمل في الله سبحانه قائم أن يحفظ الله بلاد المسلمين من كل سوء.. فعليكم بقليل من الصبر والشكر والعمل مع الأمل يرحمكم الله.
الكرم علامة الإيمان ، ففيما أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" ، فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ؟»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ، فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ "صلى الله عليه وسلم" ، فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ»، وفي رواية عند البخاري فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "9"}(الحشر)، ووقعت تسميته عند مسلم أنه أبو طلحة.
فانظر كيف كانت عوناً لزوجها على إكرام ضيفها، علامة على قوة إيمانها وحسن توكلها على ربها.. وهذه رسالة من فقه أم سليم إلى من تقطب جبينها إذا ما حلَّ بها ضيف، ألا فلتعلم أنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، وأن الله عز وجل لا يضيع من توكل عليه وأحسن إلى خلقه وعياله جزاء وفاقاً، فكان من جزائها أن خلد الله تعالى في الصالحين ذكرها، وأنزل فيها وفي زوجها قرآناً يُتلا إلى يوم القيامة، وأكرمها في نفسها وأبنائها.
يقول الشيخ محمد الغزالي: «ومن الواجب على المسلم أن يقتصد في مطالب نفسه، حتى لا تستنفذ ماله كله، فإن عليه أن يشرك غيره فيما آتاه الله من فضله، وأن يجعل في ثروته متسعاً يسعف به المنكوبين ويريح المتعبين».
قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»(أخرجه مسلم).
.نساؤنا.. وطلب العلم كانت أم سليم من اللاتي نشرن العلم والدعوة، ومما يدل على ذلك أنها كانت تسأل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" عن أشياء ربما تستحيي كثيرات من النساء أن يسألن عنها، فقد أخرج الشيخان عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ "صلى الله عليه وسلم" فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ "صلى الله عليه وسلم": «إِذَا رَأَتِ المَاءَ»، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ، تَعْنِي وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟».
هاهي أم سليم برجاحة عقلها وموفور ذكائها تعلِّم النساء كيف يسألن فيما يُخجل منه، تعلِّم النساء بأن وظيفتهن ليست قاصرة على إعداد الطعام والشراب.. ففيما أخرج البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ "صلى الله عليه وسلم": غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْماً مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَاباً مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَيْنِ».
وكانت المرأة إذا قدم عليها زوجها لا تسأله عن طعام ولا شراب قبل أن تسأله: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ وأولى العلوم التي تطلبها المرأة أن تتعرف على الله تعالى بأسمائه وصفاته، فتأنس به إذا استوحشت، وتركن إليه إذا ضعفت، فتذوق حلاوة الإيمان التي عبر عنها الصالحون؛ «والله إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب»، وقال آخر: «لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة الإيمان لجالدونا عليها بالسيوف».
نساؤنا والعبادة كانت رضي الله عنها من العابدات القانتات، حتى لقد ذهبت إلى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" شاكية زوجها قائلة: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا طَلْحَةَ وَابْنَهُ حَجَّا عَلَى ناضحِهما وَتَرَكَانِي فَقَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تُجْزِئُ مِنْ حَجَّةٍ».
فلم تشكُ لرسول الله أمراً يتعلق بدنياها بل بآخرتها، فنحن نجد المرأة تنظر إلى أصحابها وجيرانها وأقربائها وتحب أن تقتدي بهن في تغيير أساس بيتها وحليها ومتاعها، وقَلَّ أن تجد من تنظر إلى امرأة أخرى حافظة لكتاب ربها عالمة بسُنة نبيها فاضلة في تربية أبنائها، وتقول: أتمنى أن أكون مثلها.
ما أحوج بيوتنا إلى نساء يدمن العبادة والنظر في المصحف، ويبتعدن عن المظاهر والقيل والقال، حتى يكنّ سبباً في إدخال البركة والسعادة إلى بيوتنا.
يقول أحمد بن الحواري: «كنت إذا نظرت إلى وجه زوجتي تذكرت الله أكثر من جلستي مع أصحابي، لما تقربت بالطاعة إلى ربها أشرق بالإيمان وجهها.فما أحوجنا رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، شباباً وشيوخاً، أن نقتدي بأم سليم وأمثالها في رجاحة عقلها وموفور ذكائها وتربية أبنائها ووفائها لزوجها، وقبل ذلك كله قربها من ربها.. وأختم بما بدأت به من مكانتها بين يدي ربها جزاء لها وعرفاناً بفضلها، ففيما أخرج مسلم عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ "صلى الله عليه وسلم" ، قَالَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْرمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ»....
توفيت في حدود الأربعين في خلافة معاوية رضي الله عنه، فرضي الله عن أم سليم وأرضاها.
المصادر
1- الاستيعاب
2- الاصابة في تمييز الصحابة
3- الطبقات الكبرى
4- راكبة البحر موسوعة الاسرة المسلمة
5- أمينة عمر - أم سليم بنت ملحان داعية وهبت حياتها للدعوة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق