................
حسن الفياض / مصر
....................

حقيقة الموهبة في الآداب والفنون
قبل أن نسترسل في الحديث عن حقيقة الموهبة في الآداب والفنون علينا بداية أن نعرّف الموهبة وكذلك الأدب والفنون ومفهوم الاكتساب ومفهوم التدريب..
وهل هناك علاقة بين الاكتساب والتدريب من جهة والموهبة من جهة أخرى؟..
أوّلًا : تعريف الموهبة
كلمة موهبة مأخوذة من الفعل (وهب) أي أعطى شيئًا مجانًا فالموهبة إذن هي العطية للشيء بلا مقابل
فمن الناحية اللغوية، تتفق المعاجم العربية، والإنجليزية على أن الموهبة تعتبر قدرة، أو استعدادًا فطريًا لدى الفرد..
أما من الناحية التربوية، والاصطلاحية، فهناك صعوبة في تحديد وتعريف بعض المصطلحات المتعلقة بمفهوم الموهبة، وتبدو كثيرة التشعب، ويسودها الخلط، وعدم الوضوح في استخدامها، ويعود ذلك إلى تعدد مكونات الموهبة..
ولكننا نستطيع أن نعرّفها على أنها هي امتلاك الشخص، لخصلة معينة، أو ميزة معينة، أو قدرة معينة، اتجاه مجال معين، ويستطيع من خلال هذه القدرة، وهذه الميزة، أن يصبح متميزًا عمّن حوله في ذلك المجال..
ثانيًا: تعريف الأدب
هو ذلك العلم الذي يُحترز به عن الخلل في كلام العرب، لفظًا، أو كتابةً..
ثالثًا: تعريف الفنون
الفنون هي الناتج المتولد من الإبداع الإنساني، إذ إنها تعبر عن هوية الإنسان، وتطلعاته للارتقاء بأخلاقه، وذاته، وفكره، كي يصل إلى أسمى درجات السمو، والرقي، فهي المنظومة الإنسانية للثقافة بعمومها، إذ تترجم مشاعرها وأفكارها وأحاسيسها، كما تعبر عن آمالها وتطلعاتها..
رابعًا: مفهوم الاكتساب
الاكتساب: هو القدرة على التعلم..
أما اكتساب اللغة فهو: تلك العملية التي يكتسب بها البشر القدرة على استقبال واستيعاب اللغة، وكذلك القدرة على إنتاج الكلمات، والجمل من أجل التواصل..
خامسًا: مفهوم التدريب
هو نشاط يهتمّ بنقل التعليمات والمعلومات؛ بهدف تطوير الأداء الخاص بالفرد المتلقّي لها، أو مساعدته على الوصول إلى مرحلة معينة من المهارات، والمعارف..
سادسًا: العلاقة بين الاكتساب والتدريب من جهة، والموهبة من جهة أخرى..
نستطيع أن نقول: كي تتولد العلاقة بين الاكتساب والتدريب من جهة والموهبة من جهة أخرى و تُصبح حقيقة على أرض الواقع لا بدّ من توافر أمرين مهمين
أولهما: وجود الموهبة الحقيقية لدى الفرد وذلك من خلال وجود فكر متميز، في نشاط ما، من أنشطة الإبداع، كالشعر، والسرد، والفن التشكيلي، ثم يأتي التدريب والاكتساب ليثقل هذه الموهبة فيجعلها واقعًا ملموسًا..
ومن خلال ما استعرضناه من مفاهيم وتعريفات نستطيع الآن أن نجيب عن السؤال الخاص بهل توجد حقيقة الموهبة في الآداب والفنون أم يوجد تدريب فقط واكتساب مهارات؟؟..
إنّ توريث صفات الآباء لأبنائهم لا جدل فيه، وقد أثبت العلم ذلك بأدلته وبراهينه، ولكن مثل هذا القول قد يُولّد في أذهان الكثيرين شقًا آخر من التوريث، وهو أن يرث الابن من أبيه ملكته الإبداعية، مثل أن يُصبح ابن الفنان التشكيلي فنانًا، أو ابن القاص روائيًا، أو ابن الشاعر شاعرًا، وهكذا، وبالتالي يترسخ الاعتقاد في أذهان هؤلاء أن الموهبة عملية وراثية ولا مجال فيها للاجتهاد والبحث..
ولكنني أقول أن الموهبة ما هي إلا وهم كبير، قد أحاط الإنسان به نفسه نتيجة العجز الذي اعتراه في تفسير، وتقنين حقيقة الإبداع، وماهيته..
وأن الفن والإبداع، هو صناعة، وخبرة، وتدريب، واكتساب للمهارات الخاصة بكل فن، و بكل إبداع، وأن القول بأن الإبداع، والفن، هو وراثة قول مجافٍ تمامًا للحقيقة، فليس كل شاعر من الضروري أن يكون أبناؤه أو أحدهم شاعرًا بالوراثة، أو أن يكون أبناء القاص قاصين وروائيين..
وقد أدرك العرب قديمًا هذه الحقيقة حين ورد في كتاب ((طبقات فحول الشعراء)) على لسان محمد بن سلام الجمحي حيث قال: أنّ الشعر صنعةٌ كسائر الصناعات التي تثقفُها حاسّةٌ من الحواس، وعلى هذا فليست وراثةُ الإبداع وراثةً حقيقيّة كالوراثة الجينيّة التي تظهرُ آثارُها في لون البشرة، أو بعض الخصائص النفسيّة، والسمات الجسمانيّة..
فالإبداع يمكننا أن نزرعه مادامت التربة خصبة ولديها الرصيد الكافي من التغذية الأدبية والانفتاح المعرفي والثقافي وبالتالي تستطيع الاستجابة لزراعة الإبداع..
وعليه نستطيع القول: أن الموهبة لا تُورث، والإبداع لا يُورث، وبشكل خاص الإبداع والموهبة في مجال الشعر والسرد، ولكن من الممكن حدوث هذا في فنون أخرى، كأن يصبح مثلًا، ابن المطرب مطربًا، أو ابن الممثل ممثلًا، ولكن من الصعب أن يحدث هذا في مجال الفنون التشكيلية، وكذلك في مجال الإبداع الشعري، والقصصي، حيث أن الملكة الإبداعية تتشكل بالقراءة، والخبرة، والمعرفة الإبداعية، وليس بالوراثة..
حسن الفياض / مصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق