................
Rabab Bader
....................

فلتكن مشيئة الله - قصّة قصيرة
دخل سعيد إلى المنزل مبتسما فرأى والده يجلس على الأريكة ، ولأول مرة يلاحظ أنّه أصبح طاعنا في السنّ ، رغم أنّه لم يتجاوز الخمسين من عمره ، تهدل كتفاه ، وانحنى ظهره ، شاب شعره ، وأخاديد عميقة شقّت طريقها عبر وجهه . مدّ سعيد يده بدفتر مصرف باسم والده .
- ما هذا ؟ حساب باسمي ؟ وبخمسة عشر مليون ؟!
- نعم يا أبا سعيد ، إنّه لك .
صفعة قوية تمتلئ عزما حطت على خده قبل أن يكمل آخر كلمة أراد أن ينطقها ، ففغر سعيد فاه وهو يتحسس مكان الصفعة ، صارخا :
- أبي .. لماذا صفعتني ؟!
- وسأصفعك أيضا يا لصّ ، ومدّ يده مرة أخرى ،لكن سعيد تمكن من أن يتجنب الصفعة الثانية ، صارخا أقسم أني لست لصّا .
- إذنْ تاجر مخدّرات ؟
- أقسم أني لست تاجر مخدرات ولا أسلحة ، ولست في عصابة سرقة أيضا !
- أيّة تجارة إذن عادت عليك أرباحها بخمسة عشر مليون ؟
- والدي ، أرجوك ثق بي ..سأخبرك .. لكن ليس الآن ..
- لماذا ليس الآن ؟
- ألا تردد على مسامعي دائما "كل شيء في وقته حلو " ؟! ثمّ تابع سعيد مخاطبا والده :
- هذا المبلغ لشراء منزل متواضع قبل أن يطردنا عبد الرحيم من المنزل ، لا تنسى أنك لم تدفع أجار شهرين ، ولولا الجائحة لرمانا بدون رحمة ..عندئذ سكت أبو سعيد ، واكتست ملامحه بحزن دفين ، ثم تنهد وتناول دفتر حساب المصرف ، وهو ينظر في عينيّ ولده ، يريد مزيدا من التأكيد أن المبلغ حلال ، أحنى سعيد رأسه مؤكدا ذلك بابتسامة مغتصبة .
في اليوم التالي ، خرجا معا إلى مكاتب العقارات ، وبعد عناء تمكنا من شراء شقّة صغيرة في نفس الضاحية التي تغوص في مستنقع الفقر ، لكن في طرفها الذي يسكنه من لم يطرق الجوع بابه بعد . فرح أخوته الأربعة وأمه ، لكن والده لا زال مقضّب الجبين . نقلوا أثاث شقّتهم المتهالك إلى الشّقة الجديدة ، واستقرت الأسرة سعيدة بهذه الهبة السماوية ، ثم قامت الأم بشراء لحم ودجاج احتفالا بالمناسبة .في اليوم التالي ودّع سعيد والديه وإخوته ، قائلا أنّه سيسافر إلى العاصمة لتقديم أوراقه لمسابقة وظيفة براتب جيد ، وسيغيب بضعة أيّام . وهكذا غادر المنزل تتبعه دعوات أمه ووالده ، لكن ليس إلى العاصمة ، وإنّما إلى مشفى خاص في نفس المدينة . تمدد على السرير المخصص له تمهيدا لفحوصات إضافيّة ، لتجنب أية مشاكل صحيّة أو مضاعفات قد تحدث أثناء العمليّة ، فقد باع كليّته لثريّ كاد أن يفقد ابنه الوحيد ، وبعد الفحوصات الأوليّة والفحوصات الأخيرة أُكّدوا التطابق بينه وبين المريض . دخل طبيب التخدير وأعطاه مخدرا ، وقبل أن يغيب عن الوعيّ ، غامت عيناه وتذكر أسرته ، والده موظف بسيط ، ورغم ذلك فقد أنجب خمسة أبناء هو أكبرهم ، جميعهم في المدارس ، وقد تخرج هو من الجامعة منذ سنتين ، لكن لا عمل أو مسابقة تنقل إليه بصيص أمل ، مما اضطره للعمل في مطعم لمساعدة والده ، لكن الجائحة والحجر الصحيّ وما ترتب على ذلك من إغلاق المطاعم ، وفقدان الأعمال كان كارثيّا على أمثالهم ، يسكنون شقّة قديمة متهالكة تتماسك بمعجزة ، في ضاحيّة مهمّشة تغرق يوما بعد يوم في لجّة عميقة من الفقر وانعدام الخدمات ، فأكوام الأوساخ تحتلّ الأرصفة وزوايا الشوارع ، مما خلق بيئة ملائمة للجرذان ، والأبنية العشوائية تبرز ناتئة ، متداخلة في أشكال مؤذية للنظر ، ناهيك عن الأزقّة الضيّقة التي تمتلئ بأطفال فقدوا طفولتهم ، وغدوا كبارا في هيئة متقزّمة ، لكن والده كان صارما في تربيتهم ، ورغم تقشّفهم الشديد فقد جاعوا ،وليس لديهم إلّا ما يسدّ أودهم ، وهل يعتبر الخبز والشاي غذاء ؟؟ وعندما سمع أن أحد معارفه باع كليّته ، لم يتردد لحظة ، سينقذ أسرته ويعلّم أخوته ، وقد أكدّ الأطباء أن الإنسان قادر على أن يعيش بكليّة واحدة ..فلم الخوف ؟
نجحت العملية وأمضى سعيد يومين في المشفى ، ثمّ قبض خمسة عشر مليون أخرى في كيس أسود كبير وخرج إلى منزله .. كالعادة وجد والده يجلس على الأريكة الوحيدة في المنزل ، فمدّ يده بكيس النّقود مبتسما ..
- ما هذا ؟
-خمسة عشرة مليون أخرى ، قالها بابتسامة متعبة .
- أتريد أن تقتلني يا سعيد ؟
وهنا رفع سعيد طرف قميصه فبان شقّ طويل في خاصرته وكان لا يزال طريّا ..وقعت الأم أرضا ، وأجهش الأب في نوبة بكاء مرير ، صارخا من بين دموعه :
- بعت كليّتك يا مجنون ؟؟!!
- وما نفع الكليّتين يا والدي .. عندما أتعافى سنخرج معا لشراء سيّارة عموميّة ، تعمل عليها بعد الظهر ، وسأساعدك ما أمكنني .
- خططت لكل شيء يا بني ؟؟
- نعم يا والدي ، فأنا لا يهون عليّ أن أراك حزينا ، ولا أحرّك ساكنا وعندما أُستدعى للخدمة الإلزاميّة ، أذهب مطمئنا ، وإن لم أعد ، أيضا أموت مطمئنا عليكم ، بكى الأب ثانية وتعانقا بمحبة يشوبها حزن كبير .
تعافى سعيد واستدعي لخدمة العلم .. حمل حقيبته بعد أن ودّع أهله ولسان حاله يردد : _ إلى أين ستأخذني يا قدري ؟؟ ألخدمة وطن افترس أبناءه وباع شرفه للغرباء ؟!! ولكن ليس لديّ خيار آخر فلتكن مشيئة الله ، وغزّ السير مبتعدا ....
Rabab Bader
Mon ,June 8 / 2020
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق