...............
عصام الدين محمد أحمد
.................
تسوية
يأسرني ببشاشة مفاجئة،يقدم لي كوب شاي،لم يأت بعد الموظفون.
عم حسن يمسح أسطح المكاتب بخرقة بالية.
أتلفن لأمي،الجرس يرن،ولا أحد يرد،أضع السماعة مطرحها،أقول بمرح مبطن بالسخرية:
ما مناسبة الكرم الزائد؟
عم حسن لا يقرب مكتبي،أهم معلقاً،ولكنني أتراجع،علي الأقل ستدفع له عشر جنيهات !
يتعمد جمال رفع نبرته:
من يعترض طريقي سأحطمه.
ثم ماذا يا شمشون؟
هكذا انفلتت الكلمات من زوري،أحرك القرص،الرنين يأز،العقل ينغمس في الاحتمالات:
ربما ذهبت للبريد لتقبض المعاش!
ربما باتت عند إحدى بناتها ولم تعد بعد!
ربما قيدها المرض في الفراش!
ألقى جمال أمامي مذكرة،أقرأ الورق بذهن لاه،اعتادت أمي استقبال مكالمتي في مثل هذا الوقت.
فلماذا هزمها الانتظار؟
تتجول عيناي في السطور الممهورة بمباركة المكتب الفني.
تتمددالمادة 27 لتحضن جمال بك.
وتمنح المادة 25 خمس علاوات دورية زيادة علي راتبه.
القرار الوزاري يوزع الأدوار،ويرتب مقاعد النظارة،ومقدم الحفل والجوقة المشاركة، ينثر ما في جرابه:
والنقطة هذه من المادة 20 ولكل من له في الديوان قريب.
مابال ذهني لم يخمد وميضه!
ما الجديد في الأمر ياأستاذ من غير حيثية؟
الأسئلة تتوارد متزاحمة،ودبيب الحركة في الإدارة كالناقوس.
يخّب جمال في مشيته،هو الآن فوق رأسي،يجهر بالأمر:
اكتب قراراً.
في لحظة شجاعة نادرة أردد:
ما أنا بكاتب.
يستشيط غيظاً،يشوح بكلتا يديه،يفتح غطاء بالوعة الاتهامات:
لماذا كتبت للآخرين؟
لم أكتب إلا الصحيح.
بل كتبت ماهوزائف.
أهينم:
ألم تتهم المكتب الفني بالتزوير؟
خفف من وطأ الكلمات.
ألم تقل أنه لوي عنق القانون الحاكم لإجراء هذه التسوية؟
قلت ولكن مانفع قولي؟
أمسكت ورقة،أخط كلمة قرار.
حشرجة القلم طردت الحروف،الحبر يأبى الظهور،لا يخلف سوى بقع زرقاء لا هواء فيها ولا ماء،لا أملك إلا التنفيذ.
لا..لا..تملك المراوغة،وإلي متى؟
أسبوع..أسبوعان..ثلاثة..وفي النهاية ستخط ذات القرار.
صوته يلعلع:
سأفضح الإدارة.
تهاجمني الهواجس:
"يداينك يا فالح بمئة جنيه،الشهر مازال طويلاً،ولكنك كالعادة تسدد ديونك.
فما الذي يدعوك للقلق؟"
تهاجمني أحداث الأمس،أبت أن تفارق مخيلتي:
"صاحبة البيت قررت طردنا،اقتحمت مخدعنا وفي ذيلها كل نساء الحارة،هجمت علي زوجتي الذابلة،ضربة باليمين،وركلة من اليسار،ومن الأمام زغطة،ومن الخلف قرصة.
لاشيء سوى الافتراء،لا بل لمست فيك الضعف واللين،وسكوتك حفزها لافتراس زوجتك،الأمور سهلة وهناك حلول."
صبراعلي ياجمال بك حتي أعالج مصيبتي،لأفرغ لك وليكن ما يكون.
هكذا هدأت من روعي،فمن الواضح أن نقاشاتك طوال الأيام المنصرمة- والتي أثبتت بطلان التسوية- باءت بالفشل.
يخفق قلبي،أنتهي من القرار،لم يبق إلا نسخه،كل السعاة ينتظرون الورقة،يخطفها عم حسن،وقبل أن تومض اللحظة كان القرار المنسوخ أمامي،والأصوات تحاصرني:
وقع.
لن أوقع،توقيعي هامشي لا جدوى فيه.
تركت الغرفة،عدوت إلي الغرزة المجاورة للمصلحة،الغرزة علي النيل،متران يفصلانك عن المياه،الجو معبأ بالأدخنة،ست شيش تنفث الأدخنة دفعة واحدة،تتداخل الأصوات في ذهني الخافت:
"يكتف الضابط جمال بالإغلال.
يحمل المخبرون حقائب البنكنوت.
أمست مسيرته الانتقال من سجن لآخر.
ضمر عوده،أسمر وجهه،نبتت لحيته وتعملقت،في رحلته اللاهية اصطدم برجل ذي حيثية.
ساعده ليؤسس مدينة المال والنساء،تدثر رداء الوظيفة حتي لا يلفت الانتباه.
يغلف سلوكه بمظاهر العوز،يتسول السجائر والشاي،ركبه المنصب.
فقد حذره،تشابكت حوله خيوط الصيد،لم يساوموه،لم تشفع أمواله،اقتادوه إلي الزنزانة."
أووه ..خيالك خصب.
يا سيدي دعني أتخيل؛تعال هنا.
ألا تعرف أن جمال بك تاجر عملة بالسوق السوداء؟
بصراحة لا أعتقد أنك حيادي.
يا باشا راجع ملف خدمته،ستكتشف بطاقات توصية من مخرج سينمائي شهير.
أتدعي أنه شارك في بعض الأفلام كممثل كومبارس.
أغادر الغرزة،أمشي الهوينى فوق الرصيف.
تمت بحمد الله
عصام الدين محمد أحمد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق