.........................
عصام الدين محمد أحمد
.......................
جدع
يسطو فزع على الوجوه،لابسوا الرداء الأسود يقذفوننا بالنار .
نتقدم الهُوَيْنَى ، نتراجع كالسكارى ، تتلاقفني الحيرة:
لماذا يقلقهم صراخنا؟
تتزايد تشكيلاتهم ، يزومون بالخُوَار،مدرعات القنابل المُسَيِّلة للدموع تتصدر المشهد ، الغازات تنطلق من أسرها ، تفترش الأجواء ، كأنها أحجار ألقيت فى بحر الناس، فالتهمتهم الدوامات.
أتعتقد أن الاختناق يُثَبِّط العزائم؟
أمست القنابل صديقة لنا،نطاردها أينما وقعت،نردها ثانية فوق رؤوسهم،يتحركون فى صفوف منتظمة لتحرير الميدان من الشعب.
تسح السماء رصاصًا مطاطيًا،أتنقل من رُقعة إلى الأخرى كالبهلوان ، حينما يكرون أفر ، وحينما يفرون أكر، كأفلام توم وجيري.
لا أدري لماذا يصممون على قتلنا؟
تحتضن الأرض أقدامنا،جلمود الأسفلت لا يمنعنا التقدم.
أندفع مخترقـًا الصفوف،أى نعم أخشى الإصابة والدم،ولكن لا بد من مهاجمين،تدَافـُع الكثيرين يخلخل بنيان الأمن ، كلماتنا تَرُج السماء.
الشعب يريد إسقاط النظام.
أرقص متفاديًا نِثَارَ البارود ، ضبابية المشهد تصدمني:
(نلعب الكرة،أرض الملعب شاغرة.
عيل من دَرْب الجزارين يحتمي بعصابته،يتوسط ساحتنا الصغيرة،يأبى الابتعاد،نخاطب وده،نرجوه المغادرة،يرفض الزحزحة،نتجنب الشر.
نترك الجمل بما حمل،نخط ملعبًا ثانيًا،لحظات وتهجم عصابته.
يتكرر السيناريو والحوار،الشد والجذب لا يفيدان،ننسخ المشهد الأول كربونيًا ثلاث مرات،أينما نذهب نجده أمامنا.
تَفَرْعَنَ وصَمَّمَ أن نُغادرَ المكان،هاجمته ضربًا وركلًا وعضًّا،باغته بالمفاجأة،(وفين) يوجعك يا ابن الهرمة، كلا الفريقين التزما بالفرجة.
انتفضت عضلاتي مدفوعة بآيات الكَبْت المهول ،طالت المعركة،أصابته الكدمات والجروح بالوجع،انسحب وفريقه ، استأنفنا اللعب وكأننا لم نلعب طوال حياتنا.)
الجنود ينظمون صفوفهم وكأنهم سيشنون هجومًا ماحقـًا ،تنتابني التساؤلات:
أنحن الأعداء؟
لماذا يطلقون فى وجوهنا كل هذا السيل المُنْهَمِر من النار؟
أمعركتهم معركة وجود؟
ترتج الاستغاثات فى الصدور الموجوعة :
سلمية .. سلمية.
يدافعون عن الميدان بكل شراسة وكأنه إرث الأجداد .
ينعقون كالغربان،أصاب جسدي النَصَب والتعب ،أتكعبل فى الأقدام،أنكفئ على وجهي، الأيادي الصَّلْدَة تحول دون الفتك بي، أتراجع بضع خُطـُوات، يُغْرِقـُون وجهي بالخل ،أكره رائحته النفاذة ،أنزوي فوق الرصيف بعيدًا عن خط المواجهة المباشر، ألتقط الأنفاس ، دوامات ومزاحمات واللب شارد والعقل متفحم :
"خمسة وأربعون مترًا مساحة شقتنا،أنفاس أمي وأبي تُطاردني ، سيمفونية الشهيق والزفير تئز كالكهرباء،أبي منكفئ فى عبه،تطويه همومه فى دنيا السكوت.
دوما يعلل شظف حياته بالشرف.
ربما يكون طيبًا زيادة عن اللزوم.
راتبه بالكاد يكفينا.
يلمحني مكتئبًا فيعطيني عشرة جنيهات، أرفضها، فيُصِر ملحًا، يرتسم وجهي بالتكشيرات:
ما ذنب الرجل يا فالح ؟
لا أدرى.
أتشعر بالعجز؟
أى نعم، يُنَكِّسُنِى الشعور بالدونية.
زملائي أصحاب الملاحق يديرون البنوك الآن .
وأنا الأول على الدفعة تائه فى دروب العسس، ممزق فوق حبال المدينة.
والله يا والدي لم أقصد إدماء شعورك،ولكن رذاذ الكلام يحط على وجهك المكفهر ، يسربلني رداء الغيظ ، ضلوعي تطق شررًا."
أقدام الناس تزيحني ، أنط كالرهوان فى ركابهم .
يهدأ العدو،وجوهنا تتلاقى بوجوهنا.
أنفاس لاهثة وأخرى متقطعة وثالثة موؤدة ،أبدان تعبة وأخرى متحفزة،أطس أنفي بالخل ، حديد - يا عم - حديد ، أنا الآن عمود من الفولاذ وبركان من نار.
أستفز الجميع:
بلاش خوف؛ الرب واحد والعمر واحد.
نرقد بحذر،تقع الأدخنة جوار قدمي،أمسكها بيدى اليمنى،أعدو قرابة مائة متر،أقذفها بين حشودهم ، أتراجع مسرعًا.
يشتوي جوفي بالأدخنة ، تأخذ الحماسة شابًا ، يطارد السيارة المدرعة ، يقفز عليها من اليمين واليسار ومن الخلف والأمام ، كاد أن يقبض على العسكري الذى يطلق الخرطوش فى شتى الاتجاهات،يتشبث العسكري ببندقيته الملاذ.
أيعتقد أن وجوده متحقق بمقذوفات بندقيته؟
أشبه ما يكون بالإنسان الآلي، لا عقل له ولا قلب ، مجرد برنامج إلكتروني لا شيء فيه سوى الضغط على زناد القتل.
أليس له أبناء وإخوة؟
ألم يشعر بالحزن أو الألم قبلًا؟
نزعوا قلبه وعقله وثبتوا مطرحهما شريحة إلكترونية.
ألهذا الجندي أصدقاء؟
ماذا يدور بينهم لحظات السمر؟
أيشرب الشاي ويدخن السجائر؟
أيضحك ويبكي؟
أيمشي فى الشارع والحارة والزقاق؟
أشارك الشاب ملهاته،القدود النافرة تعتلي صهوة المدرعة ، تترنح وتتطوح.
بتعنت وإصرار تدهس الكثيرين ، أوجاعهم موسيقى تصويرية للمشهد .
التنقل بين الحركات العنيفة أتاح لها الهرب.
آه يا له من صداع فظيع!
رائحة الشياط تَزْكُم أنفي ، تهاجمني البقايا والأشلاء.
يحكي أبي:
يتسلل المُلَثَّم إلى دروب القرية،تزوي طلقات نارية،تنتشر الهمهمات فوق الدكك ،لا أحد يتحرك، فالروح التى حصدتها الطلقات معلومة مسبقـًا لكل دانٍ وقاصٍ.
أسأله:
ماذا حدث؟
أجابني متهمًا إياى بالغباء.
الملثم ثأر لعائلة من عائلة أخرى.
مقابل ماذا؟
صُرَّة فلوس.
أيمكن أن يمتهن فرد ما القتل؟
لحظتها لم أجد إجابة شافية ، فامتهان القتل خيال بعيد.
ما بين التقدم والتأخر خبط ورزع.
أجساد تتعرى من أرواحها هنا وهناك،صمت وصياح، هدير ونفير.
ساعة الخطر يتحلى الإنسان بأبهى سترة.
يتسامق عزمي، يتفصدني الشعور بالنصر ، تسبح النداءات فى السماء.
تثور الأرض،تنتشر الأغبرة،الآلاف يجرّون الآلاف.
أمست الحياة مرتبطة باللحظة، أراني جالسًا أمام التلفاز.
"لا شيء فى التلفاز سوى مسلسلات الأثرياء،قصورهم الضخمة تصيبني بالغثيان، نساؤهم (التى شرتية) مغرورة ، تتأرجح عجيزتهم صعودًا وهبوطـًا، ينصبون خيام الفرفشة ، تفوح روائح الحشيش والبانجو وكؤوس الخمر المترعة بحبات الكريز ، موسيقى الفالس والتانجو والشيكا بيكا يتناقلها أسير المنطقة العشبية،يتقافزْنَ في حمامات سباحة الخدر .
وأقصى يمين الصورة عقود تمليك المحروسة ، أحرك مؤشر القنوات."
تكسرت عظامي، بلغ التعب الحلقوم ، شعب يقاوم آلة قتل عملاقة.
دماء فى كل مكان،لا يَفِل الحديدَ إلا الحديد.
هجوم من شتى الدروب والبقاع،الأبدان شرسة تحطم سواتر الخوف والتراجع،ينتابهم الهلع والفزع ، يتعطل الحديد والرصاص،أمست الأرض كتلة بشرية هائلة لا حدودَ لها.
خرج الكائن الجلمود من القمقم،تقطعت خيوط الشرانق.
هربوا ، تحرر الميدان من جند السلطان ،أجهش بالنحيب.
أنهيت قراءة الوريقات بصعوبة بالغة ، تبللت رفاته بالدموع المدرارة ، سمقت شهادته فى أوراقه ، لم يتمكن من إتمامها ، مما يحرمني الوقوف على مشهد مصرعه.
أيمكن أن ترتد إليه الروح ليكمل سرد الحكاية؟
أيرضى بمغادرة السماء والرجوع ثانية إلى الأرض ليلمسَ نهاية المشوار؟
أيخبرنا عن الخيانات؟
أعترف لك الآن بأننى حين عدت إلى الشقة وقد طال وقت غيابك تقاذفتني أمواج مضطربة.
أأفصح عن انشغالي عليك أو أصبر؟
التجم لساني، اكتنفني التوتر ، لم يَطُبْ لي الانتظار .
اقتحمت ميدان التحرير، نسيت البحث عنك ، جرفتني المظاهرات إلى شطآن الانصهار، بعثت سنوات عمري الفائتة، عاركت الانكسار ، حطمت قيودي،فتكت بجسد الخوف.
التحفت الأرصفة وثيرة الفراش، نعزف لحن الموت ، تعملق غيابك ، الحيرة تفتك بي.
أجرجر أقدامي إلى المشرحة، عشرات الجثث ملقاة هنا وهناك ؛ لا معالم لها ولا حدود ، أسير على غير هدًى بين نِثـَار اللحم و الدم.
هـا أنت تعرقلنـي لأرتميَ فى أحضــانك، تجففنـي الدمـوع ، ألمْلمك بين أناملي .
آه .. قضيت على بقيتي الهرمة يا بني .
بقايا جسدك مفرفرة بالطلقات كالغربال .
كل الأيادي القانصة كبشت ملئ كفها من لحمك، الآلاف يحيطون بجسدك ، بأيادي صُلبة يشدون أزرى.
أحدهم يعطيني حافظة نقودك وأوراقك.
أحملك كأنك مازلت وليدًا،أوسدك الأرض الطرية ،أتلو الشهادة .
ألحق بركب الصورة الحزينة .
تمت بحمد الله
عصام الدين محمد أحمد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق