....................
د.بابكرمجذوب محمد
..........................
بسم الله الرحمن الرحيم
الأدب العربي
د.بابكرمجذوب محمد
إنَّ كلمةَ (الأدب) من المصطلحاتِ التي دار حولها الجدلُ، وتعدَّدت وتباينت فيها الأنظارُ، وتجاذبتها الأطرافُ، وما زالت موضع دراسة وبحث حتى يومنا هذا.
ففي العصر الجاهلي لاتوجد نصوص تشير إلى أن كلمة ( أدب ) فيه كانت تعنى ماتحمله في هذا العصر من معنى ، بل إن هذه الكلمة كانت قد عرفت في معنى ضيق جداً ، وهو الدعوة إلى مأدبة أو وليمة ،وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد :
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لاترى الآدب فينا ينتقر
والجفلى : هي الدعوة العامة ، والآدب هو الداعي ، وينتقر أي يتخير أو يختار ، وبهذا يفتخر الشاعر بأنهم كانوا يقيمون المآدب في الشتاء ، ويجعلونها عامة لكل عابر سبيل إذ أنهم لم يكونوا يختارون من يحضر إلى تلك المآدب . وهذا معنى ضيق جداً ، بمعني أن لم يعرف العرب من معاني الأدب أنه الخلق المهذب ، والطبع القويم ، والمعاملة الكريمة للناس .
لما جاء الإسلام ووضعت أصول الآداب ، واجتمع المسلمون على أن الدين أخلاق يتخلق بها ، فشت الكلمة،أما حديث ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) ، في هذا العصر استخدمه شاعر مخضرم يسمى سهم بن حنظلة الغنوي بنفس المعنى إذ يقول :
لايمنعُ الناس منِّي ما أردت ولا أعطيهم ما أرادوا حُسنَ ذَا أدبا .
هكذا حتي شهد القرن الثالث الهجري معني لتحديد الأدب
أنه المأثور من الشعر والنثر ومايتصل بهما ، أو يفسرهما ، أو يدل على مواضع الجمال فيهما . فهذا محمد بن المبرد يقول في صدر كتابه ( الكامل ) : ( هذا كتاب ألفناه يجمع ضروباً من الآداب مابين كلام منثور ، وشعر موصوف ، ومثل سائر ، وموعظة بالغة ... ) ، وبنفس هذا المعنى سمى أبو تمام ـ الباب الثالث من ديوان الحماسة الذي جمع فيه مختارات من طرائف الشعر ، باسم ( باب الأدب ) . وينطبق هذا المعنى تمام الانطباق على ( كتاب الأدب ) الذي عقده الإمام البخاري في مؤلفه المشهور في الحديث والمعروف باسم ( الجامع الصحيح ) .
ولم ينتصف القرن الرابع الهجري حتى كان لفظ ( الأدباء ) قد زال عن العلماء جملة ، وانفرد بمزيته الشعراء والكتاب في الشهرة المستفيضة ؛ لاستقلال العلوم يومئذٍ وتخصص الطبقات بها .
والإنسانُ مَهْمَا بَلَغَ في الِعلْمِ، إذَا لَمْ يَتعلّم الأدَب، فَلَسَوْفَ يَبقَى ناقِصًا!
والشافِعيُّ - وهوَ العالِمُ الأدِيبُ - كانَ يَقول: (مَن نظَرَ في العرَبيَّةِ وحَفِظَالشِعْر؛ رَقَّ طَبْعُه)، فهذهِ هيَ مادَّةُ الأدَبِ الَّتِي في دِراسَتِها تَتَفَتَّحُ آفاقُ التفْكِير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق