................
حشاني زغيدي.
..............
هيَّا نحيِّي خُلقَ التَّغاضِي
ليسَ كلُّ الأمورِ تحتاجُ منَّا الوقوفَ و إطالة الانتظار ، فإن كثرة التدقيق في المواقف بالرفع و التنزيل، قد تترك ألما غائرا في النفس ،وإن كثرة التدوير بالاجترار في السقطات والأخطاء تنقش في النفس ألما ، كان صرفها أولى، خصوصا إذا تجديد تلك التصرفات مما لا تروق ، وكانت من الأمور التي تترك خدشا و ألما غائرا قد نسيناه ، أو أننا نحاول ترميمه عن ستر العيون ، فإن تجاوزه بالتغاضي أولى و أولى .
فديدن العقلاء دائما يحسنون معالجة المواقف الحرجة، بارعون في تضميد جروحها ، فالزمن وتجاربه كفيل أن يعالج الكثير الأخطاء ،نترك صرف تصحيحها للمراجعة والتوبة والاستغفار ، و صرف جهود اللوم والعتاب لواجبات أخرى تنتظر أجدى نفعا أو لأعمال قضاؤَها أوجب ، أن تلك الواجبات تأخذ منّي و منكَ حُكمَ الأولويّةِ ، فلوْ وظفْنا خلُقَ التّغاضِي و التّغافلِ ، لوجدْنا أنفسَنا تكسبُ الوقتَ ، و لوجدنا أنفسنا تجاوزنا مشاكل ، لوجدنا أنفسنا نربح علاقات جديدة ، و لتجاوزنا مشكلات نحنُ فِي غِنَى عنها ، كان السّكوتُ فِي حقِّها أولَى و أوجبَ ، فبخلق التّغاضِي نتجاوزِ توافهَ الأمورِ ، بل بالتغاضي نرتقِي لأعلَى الرّتُبِ .
فمثْلُ هذه الهفواتِ الصّغيرةِ التّي تحصلُ فِي حياتِنا اليوميّةِ، تحصل في البيوتِ أو الأسواق أو المتاجرِ، تحصل بين الشركاء ، بين الإخوة ،مواقف طبيعية . أحسب إطالة الوقوفُ عندَ سفاسفها و صغار أمورها يورث الضجر و الصراعات العقيمة ، فمنح تلك الأخطاء الصغيرة وقفات الجدِّ و الصّرامةِ الزائدةِ ، تخرجها من الأخطاء الصغيرة إلى أخطاء ضارة يطول عمرها .
إن تلك الأخطاء يمكن علاجها إما بتوجيه سريع، أو تجاوزها بالتغاضي، فإنّ الوقوفَ عند تلك الهنات من الصغائر ؛ يزيدُ العلاقاتِ الطّبيعيّةَ توثرا و تعقيدًا و حدّةً .
و قدْ تنهار جسور مودة موصولة و علاقات متينة ؛ كل ذلك بسببِ تلك الحدّةِ و غلظةِ المعاملةِ الّزائدةِ، إن تلكَ الحدَّة في اعتقادي غيرُ متناغمةٍ مع طبيعة الحياةِ ، فكمْ من أخطاءَ صغيرةٍ ، كانَ بالإمكان تصحيحها؛ بسلوكات تعزيزيّة محفزةٍ ، تكون درسًا عمليًّا تربويًّا ، تعزيز يولدُ الثّقةَ في نفسِ المخطئ ، تعزّزُ فيهِ يقظةَ الضّميرِ، فيعودَ للحقِّ طيّعًا دونَ حاجةٍ لزواجرَ و تعنيفاتٍ مدمّرةٍ .
و قد وقفت عند تجارب سلفنا الصالح في توظيف خلق التغاضي في التعامل ، كعادتي مع قرائي أحبب تعطيرَ تغريدتِي بصفوةِ أقوالِ السّلفِ الصّالحِ في خلقِ التّغاضِي، فعلّنا ننتفعُ بها
نفعني اللهُ و أحبتي بما نقلتُ و انتقيتُ .
وعن الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي، يقول: اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل.حيلة الأولياء (١٢٣/٩).
وقال الأعمش التغافل يطفئ شراً كثيراً. الآداب الشرعية(١٠١/٢).
وقال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام. البحر المحيط لابن حيان(٢١٠/١٠).
قال عمر بن عثمان المكي المروءة التغافل عن زلل الاخوان. صفة الصفوة (٥٣١/١).
وقال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل. أدب الدين والدنيا للماوردي(ص،١٨٠).
الأستاذ حشاني زغيدي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق