................
رعد الإمارة /العراق
..............

قصة (القطط أيضاً تشيخ)
مَرّتْ بضع دقائق منذ أن إستيقظَ من نومه، تأملَ ضوء النهار المتسلْلْ من شقوق النافذة الخشبية المتهالكة! تثاءبٌ مطولاً، وضعَ يده على فمه ثم نهض عن فراشه، شَعرَ بثقلٍ في عينيه، أغمضهما ثم فتحهما بقوة، تباً، إنه يشيخ فعلاً! مشى وهو يجرُّ قدميه جرا، تناهى إلى سمعه صوتُ مواء ضعيف قادم من الخارج، همس:
_ قطة جائعة ربما، كلانا جائعان!. كان قد قرر منذ مساء البارحة أن يكون فطوره الصباحي لهذا اليوم طبقاً من الفول المدمّسْ مع الطحينية والشطة! مَصمصَ شفتيه وابتلع ريقه الجاف، تناول قنينة مياه معدنية وفتح غطائها ثم افرغها دفعة واحدة في جوفه. سار نحو النافذة وفتحها، أصدرَ خشبها البائد صريراً مزعجاً :
_يجب إصلاحها، واستبدال الخشبْ هذا بلوحٍ زجاجي. هكذا همس لنفسه، أخذ يعّبُ من الهواء وهو يستقبل ضوء النهار بصدره الضامر! عادَ صوت المواء أقوى هذه المرة!َ، أشبه بالتوسل ! بحثَ بعينيه عن مصدر الصوتْ:
_آه، إنها هناك متكورة عند زاوية السطح، قطة صغيرة هزيلة مثله!. رمشَ عدة مرّاتْ، تَنهدَْ وسار بحذر ثم وقف عند رأسها، أخذا يحدقان لبرهة ببعضهما البعض، كَفّتْ عن المواء لكنها أخذت تَلعقُ فمها:
_ مسكينة، حتماً جائعة. َحكَّ رأسه وجلس متقرفصاً يراقبها، قد يكون قطاً؟ مد اصبعه الَسبّابة، تَعلقتْ بمخالبها ثم حاوَلتْ التسلّق إلى كفه:
_ مازلتِ ضعيفة، حتى إنَّ ضلوعكِ بارزة-حملها بحرص بين يديه - سنكون أصدقاء! مارأيك بأن تكوني ابنتي؟. ضحك من هذه الفكرة التي دمعت لها عيناه، لكن القطة ماءٌتْ بضعف وكأنما اعجبتها فكرته. وضعها برفق،دار حول الطاولة متفحصاً إياها، هرش رأسه :
_تحتاجين طعاماً ربما أكثر مني، وحليبا طبعاً!. أخذ يبحثُ في (البرّادْ) الصغير، مهلاً، ثمة قطعة جبن صغيرة، زمٌّ شفتيه وهو يزِنها براحته :
_قد تفي بالغرض،آه، هاهي ذي علبة عصير أيضا !. وضعَ حمله على الطاولة، دٌنتْ حذرة لكن بلهفة، راحتْ تَتشمّم الجبن عدة مرات، ثم تَمسٌحتْ بعلبة العصير، تمتمَ بصوتٍ خافتْ :
_تبدين ذكية. أخذ يشجعها بلسانه ويديه وهو يناديها بسبس! أبهجه جداً منظر القطة عندما إنقضّتْ على فِتاتْ الجبن ! تركها لفطورها المتواضع، إستدار ليُغيّرَ ثيابه وهو أكثر مايكون عجلة فقد ذكرته بِسبسْ بأنه جائع فعلاً!دَسَّ أصابعه في طياتْ شعره الرمادي وهمس:
_ مازال في العمر بقية. أحضرَ إناءاً زجاجياً، أفرغ فيه بعض العصير ووضعه على الأرض، َسمعٌ مواءاً من خلفه فإلتفتَ سريعاً وقال:
_ إنه ليس حليباً اعرف، سأحضر لكِ ما ُتريدين عند عودتي، لن اغيب طويلاً، اتركي اصبعي، وعدتك سأجلبُ لك كل شيء، فأنت أصبحت ابنتي! تخيلي الأمر معي، أبو بسبس!. أخذ يضحك بقوة فيما ازداد لمعان عينيه حتى كاد أن يبكي! تعالي الآن! حملها بحذر ثم أخذ يُمسدُّ ظهرها الأسودْ ! وضعها على الأرض قرب الإناء، همس :
_بسبس اللعينة الحلوة لقد تأخرت! سأعود بسرعة. قال هذا ثم إنسلَّ سريعاً بعد أن أغلق الباب، قبل أن يهبط السلّم تناهى إليه مواءها المتكّررْ. كان شارع الرشيد يبدو خالياً، اللهم إلا من بعض الباعة الواقفين أمام محلاتهم!أما حركة البيع والشراء فكانت شبه ميتة، شعر بالإطمئنان، فراتبه التقاعدي كان أفضل ٌسندْ له في هذه الحياة! لم يكن اجتماعياً وقد عانى كثيراً من الوحدة! ِعزلتهُ هذه أبعدته حتى عن أقاربه، فظل اعزباً حتى فاته قطار الزواج. إنتبذَ مكاناً بعيداً في المطعم الصغير، طلبَ فطوره وأخذ يتأمل أصابعه المقصوصة حديثاً ! بسبس ماتراها تفعل الآن؟ هكذا أخذ يفكر! تناول فطوره بسرعة، شعر بالشبع حتى آخر لقمة،حتى أنه تجشأ بصوتٍ خافتْ ! إحتضنَ الشارع خطواته، وجدَ نفسه يضيع بين صراخ الباعة المنتشرين قريباً من تمثال الرصافي! إبتاع لنفسه بعض الفواكه وملأ كيساً آخر بعلب الحليب والسمك واللحم البقري! تجول قليلاً هنا وهناك، أوقفَ سيارة تاكسي ثم أعطاه العنوان وإسْتسلمَ للنسيم البارد الذي أخذَ يلفح وجهه. إرتقى درجات السلّم بسرعة وكأنه ابن العشرين! فتحٌ الباب بحذرٍ شديد خشية أن يصيبها! كانت منزوية قرب (البرّادْ)، قفزت إليه بخطوات لاتكاد تسمع، حملها مع الأكياس، وفجأة فاضت عيناه! َتدحرَجتْ بعض الثمار أرضاً، وجدَ نفسه يحتضنها وهو يَنشجْ حتى كادَ أن يخنقها! ثم رويداً رويداً هدأت أنفاسه، همس من بين دمعه المنبجس:
_ تعالي انظري ماذا أحضرت لكِ! الست طفلتي العزيزة؟ آه ياحلوتي! غدا سأحضر لك أشياءا أخرى، إنه وعد من والدك! تمهلي دعينا نفرغ هذه الحاجيات أولا ثم حدثيني ماذا فعلت في غيابي؟. وجدَ إناء العصير مازال على حاله! قطة تشرب عصير؟ هذا غير منطقي، أخذ يضحك وهو يقوم بإفراغ محتويات الإناء! انظري هذا هو ماتبحثين عنه! سكب الحليب في الإناء وسرعان ما شاهدها تدنو من حافة الإناء ثم أخرجتْ لسانها الصغير وَبدأتْ تَلعقُ بشهية. تمدد على سريره، راح يحدّقُ فيها من بعيد، شعر بها بعد قليل وهي تدنو من حافة السرير، أخذتْ تموء! جلسَ ورفعها بكلتا يديه ووضعها على صدره ثم عاودَ الإستلقاء على ظهره، أخذا يحدقان ببعضهما بمودة! َمدّتْ مِخلَبها ثم راحتْ تعبثُ بزرُّ قميصه العلوي كأي طفلة! رَبّتَ على رأسها بحنان ثم همس لها:
_ بسبس، عليك أن تعديني بشيء؟- لمعت عيناه-عليكِ أن تمنحيني وعداً بأن نَشيخَ معاً! إذن هل ستفعلين هذا من أجلي؟. رفع رأسها قليلاً بسبابته، نظرا لبعضهما ، ثم على حين غرة اخذتْ تموءُ مواءاً مطولاً، هذه المرّة مواءها كان أشبه بوعدٍ حقيقي!. وضع يديه تحت رأسه، اغمض عينيه وقد غمرته موجة سلام، وأدرك إن مخلوقاً ما، مهما كان ضئيلاً سيشيخ معه أخيراً!!. (تمت)
بقلم /رعد الإمارة /العراق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق