الاثنين، 22 يونيو 2020

..............
رعد الإمارة /العراق /بغداد
.............



ذات الضفيرة السوداء /ج٥
أخذتُ امشي على أطراف أصابعي وانا اتمايلُ كأحد لاعبي السيرك، مَددتُ عنقي بحذرْ، سمعتُ صوتاً عند باب الجيران، رفعتُ رأسي، يا إلهي الرائع، وكأنها تقرأ أفكاري هذه البنت الشقية! كانتْ لحظات قصيرة تلك التي تلاقتْ فيها نظراتنا، لكنها لحظات فاقتْ الِسحرْ، كادَ قلبي وانا استندُ للجدار أن يثب من بين ضلوعي فعلاً، حاجبيها المنعقدين ، عينيها وتلك النظرة الثابتة التي لاتتغير وكأنها تقول أمسكت بك ياوجه البومة . أصبحتْ جدتي لينة معي، حتى إنها راحتْ تستجيبُ لطلباتي بصورة أسهل من الماضي، ربما لأحساسها بأن عمتي ستفارقنا وتذهب لبيتها الجديد! قالت وهي تلاحقني بسعالها المتواصل :
_سأنتظرك هنا عند البابْ، ريثما تعود. قلتُ لها وانا احيطُ وجهها بأصابعي الناعمة تاركاً قبلة كبيرة على جبينها الأسمر :
_ياجدة، ياحبيبتي، أنا لست ذاهباً لوحدي، ثم إنها ليستْ المرة الأولى التي افعل فيها ذلك، تعرفين هذه الكتب التي سأجلبها - كانت عمتي تغطي فمها بأصابعها وهي تقف جانباً وتحدّق فينا - هذه الكتب ستخدمني في دراستي. قاطعتني بسرعة وهي تطلب من عمتي ان تجلبَ لها علبة سجائرها :
_طيب طيب، كن حذراً وانتَ تعبر الشارع، وياويلك اذا تأخرت. كان واحداً من رفاقي يحدّقُ فيَ من بعيد عندَ طرف الزقاق، اما الأثنان الآخران فراحا يُشغلانْ نفسيهما بتبادل الصفعات والركلات فيما بينهما ريثما تنتهي جدتي من تعليماتها معي! ما أن مشيت بضعة خطواتْ حتى انفرجَتْ بابُ الجيران عن شقيق البنت الأبيض النحيل وهو يداعبُ كرته الكبيرة بكلتا يديه، نظرنا لبعضنا ببلاهة، تباطأتُ قليلاً، هتف بي رفاقي من بعيدْ بين المناداةُ بأسمي والصفير عالياً، اطلَّ من فوق الولدُ النحيلْ رأسُ البنتْ بكل مافيه من حلاوة، راحتْ تبادلني النظر وهي تتفحّصُ ثيابي الجديدة ومنظر شعري الذي رَتبَته عمتي، يبدو أن الأمر اعجبها، إذ انها هزّتْ رأسها وسمعتها تقول لشقيقها وهي تجذبه للداخل وتغلق البابْ :
_طالع حلو اليوم!. بالكادْ استطعتُ تخليص قدمَي من الأرض وكأنهما ُثبّتا بمسامير، يا للروعة سيكون يومي مذهلاً هذه المرّة، هكذا هَمستُ لنفسي وانا أسير بين رفاقي كالحالم. هذه المرة ابتعتُ ثلاثة روايات لأجاثا كريستي ولفتَ انتباهي كتاب ابتعته أيضاً كان أسمه دع القلق وأبدأ الحياة لديل كارينجي،تركت رفاقي خلفي يتجولون لوحدهم وقد رَفضتُ عرضهم بالبقاء، كنت قد وَعدتُ جدتي بالعودة سريعاً، كما أن ثمة سبباً آخراً جعلني اسابق الريح بالعودة، نعم ذات الضفيرة ومن غيرها!. حاولتُ وأنا اخترق زقاقنا ان اتلكأ بخطواتي، وكان بوسع سلحفاة ان تسبقني لو انها أرادتْ ذلك! وكما تَوقعتُ تماماً ما أن دَنوتُ من بيت الجيران حتى مَدّتْ جدتي رأسها تسبقها عمامتها السوداء، تباً، كدت ان أقع في الفخ ، هكذا قلت لنفسي وانا احثُّ الخطى صوبها وابتسامتي تشق نصف وجهي، قالت ما أن أصبحتُ ملاصقاً لها :
_دعني أتفحصك جيداً-أخذتْ تتلمس ثيابي وجسدي بيديها - أنا لا ارتاح لهؤلاء القردة رفاقك، مشاكسين وانتَ ولدٌ طيب ياقلبي، تعال أُدخلْ، لدينا ضيوف. كدتُ أن اقبّلَ جدتي واحضنها وادور بها مثل مجنون، أحببتُ كلامها جداً هذه المرة، فقد أدركتُ من هم الضيوف! قالتْ وهي تمشي أمامي وتجذب يدي خلفها :
_آه ياحبيبي، عمتك ستفارقنا، قد لايتعدى الأمر هذا الأسبوع، سيكون صعباً علينا. قالت ذلك ثم استدارتْ نحوي واحتضنتني كما لم تفعل من قبل، لم أكن اعرف كيف اتصرف، هل اشاركها النشيج، هل اسعل مثلها؟ قاطَعتْ عمتي كل ذلك وهي تفاجئنا نحن الاثنين، قالتْ وقد غامتْ ملامحها :
_انتِ مريضة يا أمي، لايجب ان تفعلي ذلك، كُفّي عن البكاء والتدخين، لن اتزوج الآن، ليس قبل أن اطمئن عليكما، لقد أخبرت جارتنا بالأمر. قالتْ ذلك ثم مشتْ بسرعة وغابتْ خلف باب غرفتها. ظلّتْ جدتي تتابع عمتي بنظراتها وهي مذهولة، سمعتها تتمتم مع نفسها :
_ماذا فَعلتْ المجنونة هذه المرة؟. وجدتُ عمتي منحنية على ماكنتها وقد أسندتْ ذقنها المدّورْ على يدها، قالتْ ما أن رأتني مقبلاً نحوها :
_تعال حبيبي، أرني مشترياتك هذه المرة، انا أعجبُ كيف لاتفضحك أغلفة الكتبْ هذه أمام أمي. شَهقتْ عمتي وهي تحدّق في صور الكتب، وتنقرُ نقراتٍ قوية على الأغلفة تباعاً، قالتْ وقد عَقدتْ حاجبيها :
_أنتَ مجنون مثلي ياولد، ماذا ستقول عن هذا المسدّسْ في صورة الغلاف؟ وعن هذه المرأة شبه العارية؟ ياويلك من أمي. قالتْ ذلك ثم دسّتْ الكتب في درج دولابها، استدارتْ نحوي قبل أن تخرج، سمعتها تقول :
_سأغلّفها لكَ فيما بعد، علينا أن نرى ماذا فعَلتْ الجدة مع الضيوف. كنتُ في طريقي لأرتقاء درجات السلم وقد طويتُ يدي على إحدى الروايات حين نادتني جدتي، يا إلهي، توقفتُ جامداً في مكاني، قد أكون واهماً، لكن لا، هاهي ذي تعيد نداءها، سحقاً، أتريدُ مني الدخول لغرفة الضيوف مع وجود جارتنا وابنتها؟ حتما جنّتْ جدتي وقد ظننتها العاقلة فينا! ابتلعتُ ريقي وتَقدمتُ صوبَ السلّم خطوة، لكن ما باليد حيلة، كانت عمتي هي من اعترضَ طريقي، وهي تكركر بضحكتها شبه المكتومة، قالتْ :
_مابك ترتعشُ هكذا؟ مسكين، لحظة دعني امسح جبينك. حاولت الافلات وازاحة يد عمتي جانباً، لكنها واصلتْ القبض عليَّ من ياقة قميصي، هَمستْ :
_بنت جارتنا تريد أن تجلب لها بعض الكتب من السوق، تعرف هي قليلة الخروج من الدار، اخبرناها بأن لكَ دراية بالمكتبات - رَفعتْ عمتي حاجبيها - ها ما رأيك؟. قلتُ بسرعة وانا اجاهد للإفلات من قبضتها :
_طيب، طيب، لكني لن ادخل هناك، سأموتُ من الخجل يا عمة. افلَتتْ عمتي يدها، راحتْ تعدّلْ ياقتي، قالتْ وهي تتنّهدْ :
_حسناً، سأجعل البنت تدوّنْ ذلك في ورقة، سأخبرهم بأنك خائف من الدخول. َرمتْ عمتي بعبارتها هذه في وجهي ثم استدارتْ منفلتة وهي تحاول كتم ضحكتها، صعدتُ درجات السلم بظهري وانا اواصل التحديق بباب غرفة الضيوف، تعثرتُ غير مرّة وانا افعلُ ذلك. (يتبع)

بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق