الثلاثاء، 23 يونيو 2020

.................
عبدالكريم الخياط
...........




✍️قراءة للأديب الأستاذ
عبدالكريم الخياط

لمدلول الضياع في قصيدة
(مَزادٌ سِرِّي، لجداريّةٍ لم تكتمل.. )
للشاعر اليمني الكبير /
💎 يحي الحمادي 💎
**************************

عنوان القصيدة يجعلنا نبسط كل مفردة على حِدَة
( مزاد ، سري ، لجدارية ، لم تكتمل )
نجد أن الشاعر لم يختر تلك المفردات اعتباطا،
بل إنه يضمِّن لأولئك الباحثين عن وطن فقد
كفاهم مهمة البحث عن وأجابهم
( وطنان لي. .) ، كما في
قوله:

وَطَـنَانِ لِـي.. وأَنـا الـمُقِيمُ عـلى
رَهَـــقٍ.. أُطــارِدُ شُــؤمَ غِـربـانِي

وهي الحقيقة المرَّة التي ننكفيء على أنفسنا
ولانكاد نستطيع معايشة واقعها المرير الذي يضرب بأحلامنا بالوحدوية عرض الحائط،
فمعطيات الواقع تتماشَى مع مخرجاته،وتسوقنا
اعتباطا نحو التشرذم غيلة، وبالتالي نصاب بخيبات السنين التي عبرناها لنصل إلى الوحدة . ..
فلا يمكننا التصديق لما نراه شاخصا أمامنا ،
فأيُّ تساؤلٍ نراه مُغْبرًّا من أثر التعب و نسمع
صداه مع حفيف الرياح : أين وحدتنا؟
حتمًا
ستكون مفردات ( عنوان القصيدة) كفيلة
بإقناعنا بإجابة تُدخلنا في حيرة كبيرة
: لقد ضاعت وحدتُنا في ( مزاد سري) ضمن صفقة
(لجدارية لم تكتمل. ..)

★وإذا سألتم : من أين استنبطنا مفردة (ضاعَتْ)
التي تمثِّل لنا المفتاح لإيجاد حلٍّ لشفرة العنوان؟
فإنَّ وقوفنا على أطلال قول الشاعر :
( وأضَعْتُ.....) هو الذي أنبَأَنا
بضياع الشاعر :
(للطرق ، وللمنسأة ، وللعنوان)، كمَا في قوله:

وأَضَعتُ -حِـيـنَ عَـشِـقتُ غُـربَتَهُ-
طُـرُقِـي، ومِـنـسَأَتِي، وعُـنـوانِي

فــ(الطرق) إيحاء للقاريء بأن قادة الوطن قد أضاعوا البوصلة الحقيقية التي
تشير إلى مكمَن القوة التي فيها مصدر عزَّة للجميع بتوحدِهم لابتفرقِهم،
وبافتقاد الطرُقِ التي تُوحِّدُنا سنكون حتماً أمام غياهب التمزق التي ستتخطفنا
من هنا وهناك ،
و(للمنسأة) التي هي في اللغة ( عصا غليظة
تكون مع الراعي )، وأظنها هنا إشارة إلى العدل الذي ينعَمُ الشعبُ بوجوده لضمان حقوق كل أفراده، فبانعدام العدل تنعدم الأوطان،
( وللعنوان) أوقنُ هنا أن المغزى من هذه المفردة هو (الوطن)
بدون شك أو مواربة. .
وبعد أن استوقفَنا الشاعر مع - وأضعتُ - في البيت الثامن( 8) ليرمي لنا حلًّا
لشفرة عنوان قصيدته. .
هاهو يستوقفُنا على ضفاف ( الوطن ) في ثلاث محطات ، هي :
★المحطة الأولى:
هنا وطنٌ احتضَننا بعدَ توحدّنا، وبقي يحنُو علينا ويخشى أن نفقدَ مانحن فيه من نعمة الوحدة تحتَ أيِّ مُسَبِّبٍ:

أَنــا مــا مَــدَدتُ يَدًا إِلَـيهِ ولِـي
وَطَـــنٌ سِـــوَاهُ يَـخَـافُ فُـقـدَانِي

★والمحطة الثانية:
هنا وطن مُدمَّرٌ ولم يبقَ منه سوى الأطلال، أكلته الحرب
وطحنته الصراعات ، فعيشنا
هنا أو هناك مغامرة محفوفة
بالمخاطر :

وَطَنِـي -الذي بـيَـدَيَّ- ليس سِوَى
حَطَبٍ، أَبِــيـعُ عَـلَـيـهِ قُـمـــصَانِي

★والمحطة الثالثة:
وطن نأمله ونطمح لتحقيقه
شاخصا أمامنا، لكن انكساراته
لاتتيح لنا مجالا للملمة الشتات، فجبال الأحزان التي تنصِبُ فسطاطها في معظم النفوس لايمكنُ أن تزول بين غمضة عين وانتباهتها ، فما نظنه أمامَنا وطنًا هو في حقيقته خواء، ويُراد له أنْ يُقام على جُرُفٍ هارٍ، فلا غرابةَ
أن يُصابَ الشاعر بالخرس والعمى جرَّاءَ مايُحاك
لهذا الوطن من دسائسَ ستُفضِي إلى خارطةِ طريقٍ لوجودِ وطن،
ولكنَّ العجبَ العُجاب أننا
لن نرى فيها طريقا للسلام أو
إشارة للتعايش السِّلْمِي ، بل إنها حلولٌ آنيَّة تتبخَّرُ بشروق شمس النهار على ذلك الدمار الذي لايمكن حتى قياسه بمقياس ريختر للزلازل:

وَطَــنٌ ضَـحِـكتُ لَــهُ.. فَأَخرَسَنِي
ومَـسَـحـتُ دَمـعَـتَـهُ.. فَـأَعمـانِي

★★سآخذ جُزئِيَّة "الضياع" التي قام الشاعر
بالتصريح بها دون التلميح؛ ليأخذنا مع نفسه (أنا) الملتصقة في صور شتَّى مع (الضياع) الذي لايمكن أن نهتدي أثناء معايشته إلى
أيٍّ ممَّا ننشدُه...
وهاهو
( الضياع ) يطِلُّ علينا في
ثلاث محطات أيضًا، هي:
★المحطة الأولى:
في البيت21

أَنـا والضَّياعُ حَــدِيقَتـــانِ.. ومَـا
ئِـــدَتَــانِ.. لِـلـقَـاصِـي ولِــلـدَّانِـي

هنا الــ( أنا) للشاعر - وإنْ شئتَ أسقِطْها على الشعب - لازمَتْ الضياع فأصابَها الخوَر والوهَن وأصبحت لاتستطيع دفعَ أيِّ شرٍّ
يترَصدُها من قريب أو بعيد.

★والمحطة الثانية:
في البيت 29

أَنــا والضَّيــاعُ قَصـــيدةٌ كُتِبـَت
في الحَربِ، عَن صُوَرٍ، وجـُدرانِ

وهنا الــ( أنا) جاءت تُلازِم (الضياع) وقد أثخنتها جراحات الحرب التي تعدَّدَت أشكالُها وصورُها من خلال الدمار الذي بقيَت تتلفَّعُ بآثارِه الجدران التي لاتقْوَى على احتضان البشر ،بل إنها ارتعدَتْ فرائصُها ولم تقوَ على الثَّبَات من هَوْلِ ماحملَتْه الحربُ في رحِمِها من انعدامٍ للرحمة ، وزوال للعطف، وافتقار للشفقة،
وأصبح كل ماحولك يُوحي
بهيمنَة للخراب، وبضياع للإنسانيَّة ..

★والمحطة الثالثة:
في البيت 34

أَنا بِالضَّـيَــاعِ بَنَيــــتُ مِــن وَرَقٍ
أَمَـــــلًا.. فَـلَــوَّحَ دُونَ إِمـــكــانِ

وهنا الــ( أنا) يظهر أنها تستعد للانتحار على أسوار ( الضياع)،
فكيف للضياع أن يبنيَ لنا الأمل المنشود ومن ورق لايدرَأُ عنَّا أدنى خطرٍ؟؟
حتماً النكسة ليست في خوض التجربة لصنع آمال تقتلعها الرياح، بل في استحالة وجود التجربة من الأساس ؛
ليقودنا الشاعر إلى حقيقة
ماثلة أمام أعيننا وبلا رتوش
كما في قوله:

وبــلادُنا ســَفَــرٌ يَحِـــــينُ بــلا
طُــــــرُقٍ.. ووَاحِــدُنــا به اثنانِ

هنا لفظة (بلادنا) جاءت في البيت الــ22 ، وكأنه يعيدُنا للوراء لما يزيد على ثلاثة عقود ؛ لنرى الأبصارَ شاخصةً
للعلم الوحدوي لليمن الذي رفرف خفاقا في الــ22 من مايوم1990، فقد تحقّق ذلك
اليوم بعد عناءٍ وسفَرٍ وتعَبٍ ونصَبٍ ووصَبٍ...
لكن هذه الصفحة المضيئة لم
ترُقْ لقُوَى الاستعمار العالمية التي تتحكم بمُجريات إيجاد الشرق الأوسط الجديد
ففَعَّلتْ سيناريوهات التفتيت التي في جعبتها ليتقسَّمَ المقسَّم، وليتجزَّأَ المجزَّأ، وليتشرذمَ المُشرذمُ...لتمضي
بنا سيناريوهات الضياع إلى أشتات لايقوَى العقلُ على تَصَوُّرِها أو حتى تخيُّل النهايات
التي تنذر بأخطارها المهولة التي يُخَطَّطُ لها أنْ تتخطَّى ماتعرضُه هوليود أو بوليود من أفلام الآكشن...!!

وإذا ما غُصْنا في تجاويف الــ37 بيتًا هي ماتَعُجُّ به قصيدة شاعرنا اليمني الكبير / يحي الحمادي ، والتي ترصد مايفعله الشاعر في مملكته الشعرية ،
فإننا سنحتاج إلى ساعات كثيرة نتحفَّزُ أن نكونَ فيها بلا نومٍ حتى نقفَ على كلِّ شاردةٍ وواردة في النصِّ...
لكن مُجمَل مانريدُ استنطاقُه من بين أعطاف القصيدة يمكن أنْ
نأخذَه من شفرة العنوان
( مَزادٌ سِرِّي ، لِجِدارِيَّةٍ لَم تكتَمِلْ ..)
التي ستحيلنا إلى استخدام
" فلاش" سيلتقط لنا صورة للشاعر يحي الحمَّادي وهو يمارس هواية له - ربما تكون غائبة عن بعض متابعيه وقُرَّائه ومحبِّيه - وهي الرسم، ليس الرسم بالحروف كما هو ديدَنُه، وإنَّما الرسم بالألوان بفرشاة تخرج مكنونه
النفسي عمَّا تعانيه حروفه وتقاسيه معانيه. .
فأيُّ لوحةٍ ستشي بها هذه الأبيات التي تتَلَوَّى ألَــمًا وحُرقَة ، وأحزاناً ، وحرمانًا ، وشجناً، وانكسارًا، وإذلالاً، وتشاؤمًا، وتمزُّقًا ، وصرخاتٍ، وعثراتٍ، وعبَرَاتٍ ،
ورائحة للموت. ...؟؟؟؟

💎إنها هنا تذكرني باللوحة الخالدة
غورنيكا (بالإسبانية:
( Guernica)
و‏ هي لوحة جدارية
للفنان التشكيلي الإسباني
( بابلو بيكاسو ) استوحاها من قصف غورنيكا،
الباسك حين قامت طائرة حربية ألمانية وإيطالية
مساندة لقوات القوميين الإسبان بقصف
المدينة في 26 أبريل1937
بغرض الترويع خلال الحرب
الأهلية الإسبانية ، وكانت حكومة الجمهورية الإسبانية الثانية
(1931-1939) قد كلفت "بابلو بيكاسو"
بإبداع لوحة جدارية لتُعرَضَ في الجناح الإسباني في المعرض الدولي للتقنيات والفنون في الحياة المعاصرة الذي أقيم في باريس عام 1937.

غورنيكا:
معلومات عن اللوحة الفنية
التيار: المدرسة التكعيبية ، المواد : طلاء زيتي،
وخيش (سطح اللوحة الفنية) ،
الارتفاع: 349 سنتيمتر ،
العرض: 776 سنتيمتر .

★ماذا تعرض غورنيكا من مأساة ؟
تعرض مأساة الحرب والمعاناة التي تسببها للأفراد،
وقد صارت مَعلمًاً أثرياً، لتصبح مذكراً دائماً بمآسي الحروب، إضافة لاعتبارها رمزًا مضاداً للحرب وتجسيداً للسلام.
بعد الانتهاء منها طافت اللوحة
في جولة عالمية موجزة
العالم لتصبح من اللوحات
الأكثر شهرة ، كما أن جولتها
تلك ساهمت في لفت أنظار
العالم للحرب الأهلية
الإسبانية.

بعد الانتهاء منها طافت اللوحة في جولة عالمية موجزة العالم لتصبح من اللوحات الأكثر شهرة كما أن جولتها تلك ساهمت في لفت أنظار العالم للحرب الأهلية الإسبانية.
اللوحة تمت بأسلوب التصوير الزيتي تتكون من الألوان الأزرق الداكن، الأسود والأبيض بطول يبلغ 3.5 متر وعرض يبلغ 7.8 متر.
وهي معروضة الان بمدريد في متحف مركز الملكة صوفيا الوطني للفنون .
الرموز المستخدمة في اللوحة:
1. الحصان يرمز إلى الشعب
الأسباني.
2. الثور يرمز إلى العنف.
3. أربعة نساء مقطعة
أجسادهن ترمز إلى الضحايا.
4. جندي على الأرض يرمز إلى
الهزيمة.
5. نور من الأعلى يرمز إلى
بصيص الأمل.
6. مصباح يشير إلى حمامة
السلام المرعوبة من الأحداث.

★ أخيرا أبيات القصيدة 37 ، وجدارية غورنيكا التي اكتملت وعرضت في يونيو 1937،
فالمشترك بينهما(37) كاختلاج وتواؤم بين الشعر والفن لخدمة هدف إنساني تستشعر الإنسانيَّة أخطاره وتحفظه كإرث لايمكن أن تنساه ذاكرة الأجيال.
★★★ وإنْ كانت القراءة المتواضعة المستوحاة من مفردات ( الضياع ) لم تخطُر في بالِ الشاعر الكبير / يحي الحمَّادي ، أوبعض القرَّاء ، لكنها تسلِّط الضَّوء عبْرَ محاولة
لحلِّ شفرة العنوان ( مزاد سري، لجدارية لم تكتمل ..) التي قادتنا إلى جدارية غورنيكا للفنان العالمي " بابلو بيكاسو"...

★ إذا كانت الحرب الأهلية الإسبانية استمرت قرابَة ثلاث سنوات
(من 17 يوليو 1936 – إلى 1 أبريل 1939)
فمتى ستُسْتَكْمَلُ جدارِيَّةُ اليَمَن، وتنتهي هذه الحرب
التي دخلتْ عامَها السادس ولمَّا تنتهِ بَعْدُ؟؟؟؟
***********************
اليمن - تعز 15 يونيو 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق