.................
رفيق مدريك
.................
رمضان..!
لم يكن رمضان بالنسبة لنا كأطفال سوى موسم لعب كسائر مواسم اللعب، نحصل من خلاله ليلا على رخصة مقننة، يلعب الكبار منا لعبة (دينيڤري) التي تمارس حصريا في ليالي شهر رمضان.
نستمتع خلال هذا الشهر بوجبات غذائية تغيرت مواعيدها
ومحتوايتها، رغم فقرها مقارنة بزمن البدخ الرمضاني الحالي الذي تنتهك فيه ميزانيات الأسر، قبل انتهاك حرمات الجهاز الهضمي..
فبعد أذان مغرب التاسع والعشرين من شعبان، يستعد الرجال لمراقبة رؤية هلال رمضان، وهم على عجل من أمرهم. فيتخذون من الأسطح مراكزا للأبحاث الفضائية، فصعودهم للأسطح هو اختزال للمسافة الفاصلة بين السماء والأرض. لرؤية هلال قد تحجبه سحب فصل الشتاء.معتمدين في ذلك على قوة بصرهم، فتراهم بين شك ويقين. فمن تعذرت عليه الرؤية يؤكد استكمال الثلاثين يوما من شعبان، ومن تبثت له رؤيته يستشهد ببعض من عاينوا معه الرؤية، ولا يتأكد حلول هذا الشهر رسميا إلا مع إطلاق صفارة الإنذار (الزواكة) معلنة عن بداية الشهر الفضيل، فترى النساء في عجلة من أمرهن. لإعداد عجين وجبة السحور، وهي وجبة متشابهة في تفاصيلها بنسبة كبيرة بين غالبية الأسر بمكوناتها المعتادة البطبوط والشاي..
عباس ذاك الرجل الأسمر الذي يقال أنه ولد دار المخزن، رجل متعدد المهن والمواهب،عين من عيون السلطة التي تراقب شهيق المواطن وزفيره، له في العير والنفير، يجد ضالته في آلة نفخ يتخذها أداة لإيقاظ الناس للتسحر، ووسيلة لكسب قوته خلال هذا الشهر الفضيل. فتبتدأ رحلة الثلاثين ليلة بنفخة نفير في كبد الليل إعلانا عن دخول وقت السحور. يجوب خلالها عباس أطراف الحي طولا وعرضا، تبعا لخريطة طريق يرسم معالمها المحددة في الزمان والمكان..
النساء سباقات للايستيقاظ لإعداد السحور على صوت نفير عباس، أو على دقات منبه قد يخذل إحداهن في أي لحظة، فيتسبب في حرمان أسرة بكاملها من هذه الوجبة الأساسية التي غالبا ما تصبح حديثا يتداوله كل من اكتوى بغدر المنبه وتحمل صيام يوم بدون سحور.
غالبية النساء يعتمدن على الخشب كوسيلة لطهي هذا النوع الشهي من الخبز ، فصوت الخشب يكسر سكون الليل البهيم
وهو يحترق في موقد قصديري (فْرَيْنَة)، وآنية طينية (فَرٌَاحْ) لطهي بطبوط يقدم ساخنا مع الزبدة أو زيت الزيتون تصاحبه كؤؤس شاي تغري الصائمين، ليبقى زادهم الأساسي لمواجهة يوم عسير رغم قصره، فقسوة برودته تستنزف كل الطاقات التي خزنها الجسم على قلتها..
نُعَوٌٍل نحن الصغار على أهلنا لإيقاظنا لنشاركهم هذه الوجبة، لكن غالبا ما يخيب الظن بأهلنا لعدم مراعاة شعورنا كأطفال يتمنون الاستمتاع بهذه الوجبة. يحكى أن طفلا استيقظ لتناول السحور فمنعه والده، لكنه أصر أن يشاركهم السحور، فقال لوالده إن المعلم طلب منا ان نتسحر ونصوم. فكان رد والده (انعس المعلم كان يشري في الزبدة)..
نستيقظ صباحا على صراخ الأمهات وهن يسارعن في حثنا على الذهاب إلى المدارس، حينها نعلم أن الوجبة المفضلة قد ضاعت منا إلى غير رجعة في انتظار محاولة أخرى..
بداية أول يوم من رمضان غالبا ما يكون تأثيره باديا على ملامح المعلمين الذين يعانون من قلة النوم كمل الناس، خاصة المذخنين منهم، فكان علينا تجنب ارتكاب أي خطأ في هذا الصباح حتى لا نكون عرضة لعقاب ظاهره الواجب وباطنه الانتقام، من قلة النوم، أو الحاجة للتدخين. وقد يتعداها لتضييع المعلم لوجبة السحور فيصبح العقاب أشد مضاضة..
بعد نهاية الفترة الصباحية، ترى كل التلاميذ الذين لم يسعفهم الوقت لضيقه من تناول وجبة الفطور يدٌَعون الصيام أمام زملاءهم، وحجتهم في ذلك الاستشهاد ببياض ألسنتهم، ولا يتم تفنيد الصيام أو تأكيده إلا بعد الفترة الزوالية.
فور خروجنا من المدرسة بعد الفترة الزوالية تنتشر رائحة الحريرة تدريجيا في كل أرجاء الحي لتغزو الخياشيم،فاتحة شهية الصائمين، فتحدث في البطون ألاما يصعب مقاومتها، من قوة مفعول المواد والتوابل والبقوليات المكونة لهذه الأكلة المغربية الصرفة..
ينحصر دورنا نحن الأطفال بعد المدرسة في البحث عن كيس حليب، والذي كان بيعه حكرا على المحلبات دون غيرها من محلات البقالة. ومن الشروط الأساسية للحصول على هذه المادة الحيوية، أن تكون زبونا فوق العادة للمحلبة لتحضى بكيس حليب تزكي به مكانتك الاجتماعية، فكانت هذه المادة حينها عنوانا للمحسوبية والزبونية. فترى كل من بلغ غايته منها يتستر عليها خوفا من أسئلة من لم يسعفهم الحظ في الحصول عليها، وكأن الأمر يتعلق بالحصول على مأذونية.. فكنت غالبا ما أفشل في مهمة الحصول على كيس حليب، لقلة خبرتي في دبلوماسية الحليب،الشيء الذي دفع بالوالدة إلى إعفاءي من هذه المهمة، وانتظار عودة الوالد من الشغل للقيام بالمهمة، حتى أصبح كرهي لهذه المادة مرادفا لكرهي لفريق جمعية الحليب بعد ذلك..
تدب الحركة بعد صلاة العصر في كل أزقة الحي، وفي أروقة السوق القصديري المتاخم لثانوية طارق، عربات يدوية تنتشر على جنباته تعرض منتوجاتها من تمر وتين مجفف، في لعبة كر وفر مع القوات العمومية.
يبقى سي أحمد الشفناج بطل المرحلة بدون منازع، يتنقل فوق خشبة مسرحه مرتديا وزرته البيضاء يجول بين أطباق حلوته الشباكية الشهية أمام حشد من الزبائن.
هذه المادة التي كانت عصية على غالبية الموائد، إلا في بعض الحالات النادرة، عندما تجود اريحية الوالد فتكون بمثابة طبق ملكي على مائدة الإفطار..
ومع اقتراب أذان المغرب يصبح الوقت ثقيلا من شدة الجوع والتعب، وما إن يسمع أذان صلاة المغرب حتى ترى الأزقة
خالية إلا من بعض المتسولين، الذين ينتظرون ما تجود به بعض البيوت من وجبات إفطار...
وخلال تناول وجبة الإفطار التي تتكون من حريرة وقهوة بالحليب وخبز وتمر، أو تين مجفف. (وإسفنج أو شباكية) بين مزدوجتين. تلتصق الأذان بالمذياع للإستماع لمسلسل الأزلية، وما إن ينبعث صوت محمد حسن الجندي في أغنية البداية
(سموني وحش الفلا واسمي سيف دي يزن) حتى ينقطع التيار الكهربائي مباشرة، لتسمع صوتا موحدا يزلزل سكون الظلام في إشارة لانقطاع الكهرباء، وتعبيرا عن الغضب الذي يعم الساكنة.. وغالبا ما يعود التيار على أغنية النهاية ليبقى المسلسل مبثورا من بعض فصوله تاركا لأصحاب الخيال الواسع فرصة لرتق حلقات المسلسل..
بعد أذان صلاة العشاء يتوجه الكبار دون غيرهم لأداء صلاة العشاء والتراويح ...
فيما تزدهر في ليالي رمضان أوكار يمارس فيها الرهان بجيوب شبه خاوية تزيد من تعاسة بعض الأسر...
ليعود الليل لسكونه في إنتظار جولة عباس المعتادة، التي يكسر فيها نفيره صمت الليل البارد..
تبقى ليلة القدر أو ليلة السابع والعشرين من رمضان ليلة مقدسة بكل المقاييس، فيها يحتفى بالفتيات المقبلات على الصيام. وفي هذه الليلة ترسل أطباق الكسكس إلى المساجد.
بعد هذه الليلة تبتدأ رحلة البحث عن ملابس العيد والوجهة قيسارية (سنطرا) الحي المحمدي التي كانت تعد من أرقى مراكز التسوق في الدار البيضاء، لتصبح معها تأليف حكايات النشل بالحافلة رقم 32 وقبلها حافلة البراكة حديث المرحلة، ومعها نصائح التحذير من مغبة الوقوع في شرك النشالين..
اليوم الأخير من رمضان ينصب شغل النساء على صنع حلويات مختلفة أشكالها، بذوق واحد فمكوناتها غير قابلة للتغيير (الطحين والزيت والسكر والبيض)..
عادة ما تخرج زكاة العيد،صباح يوم العيد وغالبا ما تخرج من
نوع عيش الأسرة. يجافينا النوم في أخر ليلة من رمضان في
انتظار طلوع الشمس لارتداء ملابس العيد، وعودة المصلين من صلاة العيد.لنقوم بزيارة البعض من الأهل بحثا عن من ينفحنا بعض الريالات.. ومع أذان صلاة الظهر يكون الحذاء الجديد قد أدى مهمته في سلخ جلد الرجلين لتكون أخر عهدنا بهذا الحذاء. في انتظار رمضان كريم وعيد سعيد وحذاء جديد...//
رفيق مدريك من ذكريات الطفولة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق