الخميس، 4 نوفمبر 2021

 ..............

ياسر شلبي محمود

................



عودةٌ .. أم سراب
الجزء الرابع ـ العودةُ في منظورِ العلمِ والقرآنِ الكريمِ
لم يكن متبقيًا على أدلةِ القائلينَ بنزولِ عيسى عليه السلامُ قربَ قيامِ الساعةِ إلَّا دليلين من كتابِ اللهِ ، وهما الآيتانِ المتشابهتانِ عليهما من قولِه تعالى :
{ وَإِن مِّن أَهْلِ اْلْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ اْلْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا }
{ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَّرُنَّ بِهَا وَاْتَّبِعُونِ }
وكما هو معتادٌ في حركةِ التفسيرِ والفقهِ الإسلامي ، فإن الاختلافَ بين المفسرينَ والفقهاءَ حتميُ الورودِ والوجودِ ، حيثُ انقسمَ فهمُ الآيةِ الأولى ( وإن مِنْ .. ) ، وكذلك في الآيةِ الثانيةِ ( وإنه لعلمٌ .. ) بين المفسرينَ إلى ثلاثةِ فرقٍ . فبينما رأى فريقٌ ويمثله ابنُ عباسٍ والحسنُ ومجاهدٌ وعكرمةٌ : أن المرادَ في الآيةِ الأولى هو موتُ الكتابي ، وتفرد ابنُ عباسٍ بأنه اليهودي خاصةً ، فإنه قد رأى فريقٌ آخرَ ويمثله ابن جبير والحسن وقتادة وابن زيد وروايةٍ أخرى لابنِ عباس ، أن الضميرَ في موتِه عائدٌ على نبي اللهِ عيسى أي قبل موت عيسى ، بينما تفرد عكرمةٌ في رأيٍ ثالثٍ بين الفقهاءِ وثانٍ له أن الضميرَ عائدٌ على نبي اللهِ محمدًا وهو رأيٌ غريبٌ عند ابن كثيرٍ وعندنا .. وفيما يخصُ الآيةُ الثانية ( وإنه لعلمٌ ) فقد رأى فريقٌ ويمثله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ، أن الضميرَ في " وإنه " عائدٌ على القرآنِ لأنه يدلُ على مجئ الساعةِ ، أو به تُعلمُ الساعةُ وأهوالُها وأحوالُها ، وبهِ أخذ الطاهرُ بن عاشور في التحريرِ والتنويرِ وهو النحويُ في التفسيرِ على اعتبارِ أن سياقَ سورةِ الزخرفِ كان كله كلامٌ عن القرآنِ العظيم . بينما رأى الفريقُ الثاني ويمثله ابنُ عباس ومجاهد والسدي والضحاك، وقتادة برأيٍ ثانٍ له : أن المقصودَ هو عيسى حين ينزل آخر الزمانِ وذلك من أعلامِ الساعةِ .. بينما رأى فريقٌ ثالثٌ ويمثله ابنُ إسحاق ، أن المقصودَ هو إحياءُ عيسى الموتى ، دليلٌ على الساعةِ وبعث الموتى ، وهو ما نرجحه بقوةٍ كما سيأتي .
وعلى الرغمِ من خلوِ هذه الأراءِ جميعًا من التفكيرِ العلمي المنضبطِ ، حيثُ لم تستند إلى أساسٍ من نصٍ صريحٍ أو إلى فهمٍ صحيحٍ باستثناء مَن قالوا بعودةِ الضميرِ على القرآن في آيةِ ( إنه لعلمٌ ) ، وكذلك الفهم الرباني عند ابن إسحاق في توضيح القصد من الآيةِ مِن أنه إحياءِ عيسى للموتى .. إلَّا أن سائرَ المفسرينَ قد اعتمدوهم جميعًا دونما استثناءٍ ، غيرَ أن الشيخ الشعراوي قد توسعَ في تفسيرِهِ للآيةِ الأولى ( وإن من ) تفسيرًا لغويًا قد أعجبني لانضباطِه العلمي ، إلَّا أنه قد وقعَ في مأزقِ التردي عن الحقِ بعد أن أفضى بحثُه إلى قبولِ الرأيينِ الرئيسينِ القائلُ أحدهم بعودةِ الضميرِ على عيسى ، والآخرَ على الكتابي حيثُ يجوزُ كلٌ منهم بنفسِ القدرِ ، مما جعله يحتكمُ إلى طرفٍ آخرَ للترجيحِ وهو الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم في ظنه رحمه اللهُ .. والإشكاليةُ إنما تبدأُ بغلقِ الأفهامِ عن كتابِ اللهِ فهمًا شموليًا وبإحاطةِ ، إذ لا يمكن أن يُسدَ للقرآنِ مِن القرآنِ نفسِه بابُ فهمٍ قط ، لأن ذلك ببساطةٍ يطعنُ في بلاغةِ القرآنِ وفصاحتِه ، وحاشاه فهو المنزهُ عن ذلك ، ولكن حتمًا هناك فيصلًا حاسمًا لتلك القضيةِ في كتابِ اللهِ ، يمكنُ الاحتكامُ إليه لإنهاءِ تلكمُ الإشكاليةِ وذلك هو الانضباطُ العلميُ بحقٍ .. ولكن قبل الوصولِ إليهِ ينبغي استعراضِنا لرؤيتِنا العلميةِ العامةِ في تفسيرِ هاتينِ الآيتينِ الكريمتينِ .
ففي الآيةِ الأولى ( وإن مِن ) ، نرى أن مفتاحَ حلَ الشفرةِ يكمنُ في صدرِ الآيةِ وفي ذيلِها ، بحيثُ يحدثُ التوافقُ مع تأثيرِ كلٍ منهما على الآخرِ . فبينما قال اللهُ تعالى : { وإن مِن أهلِ الكتابِ } ، فإنه قد ختمها بقولِه : { ويوم القيامةِ يكون عليهم شهيدًا } .. هنا يكونُ مربطُ الفرسِ لو استطعنا أن نفهمَ معنى " وإن مِن " ، ثم فهمنا معنى " يكون عليهم " .. لنستخلصَ منه ( أي من ذلك الفهمِ ) تأثيرَ الأولى على الآخرةِ ، وتأثيرَ الآخرةِ على الأولى .. فإن كانت " وإن مِن " تعني الحصرَ المطلقَ لكلِ مَن ضلَّ في عيسى بنِ مريمَ عليه السلامُ مِن أهلِ الكتابِ بحيثُ لم يطرأ على هذا الحصرِ استثناءٌ قط ، كقولِ " ليس في البيتِ مِن درهمٍ أو مِن ماءٍ " ، في مقابلِ " ليس في البيتِ دراهمًا أو ماءً " ، فبينما تعني الثانيةُ أنْ ليسَ في البيتِ نقودًا يُعتدُ بها في عمليةِ الإعاشةِ وكافيةٌ هي لسدِّ الحاجاتِ ولا كذلك ماءً كافيًا ، إلَّا أنه قد يُستثنى مِن ذلك المعنى أن بالبيتِ دراهمًا معدودةً وماءً قليلًا غيرَ أن ذلك لا يسدُ حاجةً ولا يعتدُ بهِ في معيشةٍ .. في حين " ليس في البيتِ مِن درهمٍ أو مِن ماءٍ " ، فإنها تنفي من الأصلِ وجودِ الجزءِ المكونِ لهذا الدرهمِ ، أو للذرةِ المكونةِ للماءِ إن كان النفيُ للماءِ أو ما شابهَ ذلك ، لِيَسدَّ الطريقَ أمامَ الاستثناءِ على قاعدةِ النفي المطلقِ ، مما يجعلنا نفهمُ أن قاعدةَ الحصرِ في قولِ اللهِ تعالى : " وإن مِن أهلِ الكتابِ " إنما تشملُ ـ دونما استثناءٍ يطرأُ عليها ـ كلَ مخلوقٍ خلقه اللهُ مِن أهلِ الكتابِ وقد ضلَّ في عيسى بنِ مريمَ عليه السلامُ ، بحيثُ لم يوجد شخصٌ واحدُ يخرجُ عن هذا الحصر بالمطلق منذ أن رفعَ اللهُ نبيهُ إليه وحتى قيامِ الساعةِ ، ولا يجوزُ أن نعتبرَ هذا الحصرَ مقصورٌ على الجيلِ الذي ينزلُ فيه عيسى ـ حسب القائلينَ بنزولِه ـ لتصادمِه مع ذيلِ الآيةِ { ويومَ القيامةِ يكونُ عليهِم شهيدًا } أي على محل الحصرِ في صدرِ الآيةِ ( وإن مِن أهل الكتابِ ) وهذا مِن ناحيةٍ ، ومع بديهةِ شهادتِه على كلِ مَن ضلَّ فيهِ عبرَ التاريخِ وعاتبهُ فيهم ربُّهُ عتابَ تقريرٍ لا عتاب حسابٍ ومؤاخذةٍ ( أأنتَ قلتَ للناسِ اتخذوني وأميَ إلهينِ .. ) ، ويؤكده رده ( فلما توفيتني كنتَ أنتَ الرقيبَ عليهم ) من ناحيةٍ أخرى ، إذ كيف يشهدُ يوم القيامةِ على مَن نزلَ فيهم وهداهم قبل موتِه وكسرَ فيهمُ الصليبَ وقَتَلَ فيهم الخنزيرَ ووحد الملةَ بأن صاروا مسلمينَ مع المسلمينَ رغمَ حكمِ الآيةِ الصريحِ في ذيلها بأنه سيشهد على مَن هم محصورينَ في صدرِها ولا تكونُ " الشهادةُ على " إلَّا على مَن ضلَّ ، مما يُدِخلُ لفظةَ " الناسِ " محلِ العتابِ ويُدرِجُها تحت قولِه تعالى : { وإن مِن أهلِ الكتابِ } محل الحصر في صدرِ الآيةِ ، ليرتبط بالضرورةِ صدرُ الآيةِ بذيلِها ، كما يرتبطُ ذيلِها بصدرِها ليبتعد التصورُ بقصرِ الحصرِ على جيلِ النزولِ ، وليتجلى معنى " قبل موتِه " على أن المرادَ منه قبلُ موتُ الكتابي وليس قبلَ موتِ عيسى عليه السلامُ ، لأن قولُه ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهِم ) إنما تعني خلو وانتفاءِ رقابةِ عيسى عليهم ـ بمعنى وجوده فيهم ـ منذ وفاته وحتى سؤاله على الأشهادِ يوم الحسابِ ، فأين هو الاستثناءُ إذن في رقابتِه عليهم بعد الرفعِ حين ينزلُ ـ في فرضِ نزولِه ـ قبيل الساعةِ والذي تقتضيه بلاغةُ القرآنِ وفصاحتُه ؟ .. طبعًا لا يوجدُ استثناءٌ مما يجعلُ الحصرَ عامًّا لكلِ كتابيٍ ضلَّ فيه منذُ رُفِع وحتى قيام الساعةِ ليتساوى المستقدمينَ منهم على المستأخرينَ في الحكمِ ليتأكد عودةُ الضميرِ على موتِ الكتابي وليس موت غيسى عله السلام .
ولو أخذنا الآيةَ الثانيةَ ( وإنه لعلمٌ ) ، فإنما يجري عليها ما جرى على الآيةِ الأولى ( وإن مِن ) مِن ربطٍ حتميٍ بينَ صدرِ الآيةِ وذيلِها ، حيثُ قولُه تعالى { فلا تمترُنَّ بها ) أي بالساعة المتعلقُ بها الضميرُ المختلفُ عليه في " وإنهُ " ، لأن معناها فلا تشكونَ في البعثِ بقيامِ الساعةِ ، وكان ذلك خطابٌ موجه إلى وفدِ " نجران " خاصةً والذي كان يجادلُ رسولَ اللهِ في عيسى بن مريمَ ، ثم إلى كلِ منكري البعثِ عامةً من مشركي قريشٍ ، مما يجعل المعنى في صدرِ الآيةِ ( وإنه لَعلْمٌ ) مستقيمًا مع ذلك الخطابِ ، ليكونَ المرادُ منه العلمَ بالبعثِ الذي لا يكونُ إلَّا بقيامِ الساعةِ ، وذكرُ الساعةِ دوما يرمزُ إلى عمليةِ البعثِ بعد الموتِ وما يتبعه من حسابٍ وجزاء ، مما يجعلُ الضميرَ في " وإنه " يتساوى في كونِه عائدٌ على القرآنِ الكريمِ باعتبارِ أنه محلُ المجادلةِ لأن المماراةَ في عيسى إنما هي في حقيقتِها مماراةٌ في آياتٍ منزلةٍ من ناحيةٍ ، وباعتبارِ أن فيه ( أي القرآنَ ) تفصيلٌ عن قيامِ الساعةِ وما يتبعُ ذلك من ناحيةٍ أخرى .. كما يمكنُ عودتُه على نبي اللهِ عيسى عليه السلامُ ، لأن ما بُعثَ به مِن إحياءٍ للموتى بإذن اللهِ لفيه الدليلُ الكافي على إمكانيةِ البعث بقيامِ الساعةِ ، فيكونُ ( وإنه لعلمٌ ) بمعنى " وإنه لفيهِ الدليلُ والحجةُ " ، فأين يكونُ الشكُ إذن في ذلك ولقد عاينتموه علمًا في فعلِه .. ومِن ثم فإن ذيلَ الآيةِ لا يمكنُ أن يجعلَ المرادَ مِن صدرِها " قربَ قيامِ الساعةِ " ويمنعه ، وإنما يعني " قيامها ذاته وماهيته " ، ونؤكدُ عليه بتلكما النقطتينِ :
ـ ضرورةُ استقامةُ المُخاطَبُ به ( وهو المعنى المرادُ مِن الآيةِ ) ، مع ظرفِ المُخاطَبِ ( وهم محلُ الدعوةِ مِنَ الكفارِ والمشركينَ ) مِنْ زمانٍ وحال .. وتلكمُ بديهةٌ ، ومِن ثمَّ فإن البديهةَ تقتضي الكلامَ عن قيامٍ وليس عن اقترابٍ للساعةِ مع أناسٍ زمانهم نزول الوحي للإيمانِ بالبعثِ إلى جانبِ حزمةِ الإيمانِ الأخرى ، وحالهم إنكارُها وإنكارُ البعثِ فيكونُ الكلامُ لا على اقترابٍ في مشكوكٍ فيه ، وإنما على إقامة الدليلِ على إمكانيةِ حدوثِه ، وإنما يكون الإخبارُ عن اقترابِ الشئ للمؤمنِ به وحسب ، مما يزكي المرادَ مِن قولِه تعالى "( وإنه لعلمٌ للساعةِ ) بأنه إحياءُ عيسى للموتى بإذنِ اللهِ كدليلٍ على إحياءِ اللهِ الموتى وهو أولى ، وكدليلٍ على البعثِ بقيامِ الساعةِ الذي لا يجب الشكُ فيها بأفعالِ عيسى عليه السلام ( فلا تمترُنَّ بها ) .
ـ إن استخدامَ لفظةَ " شرطٍ " في الدلالةِ على الاقترابِ أولى ـ بلاغةً وفصاحةً ـ من لفظةِ " عِلْمٍ " التي لا يجوزُ أصلًا استخدامُها للدلالةِ على الاقترابِ لأن العلمَ غيرَ العلامةِ أو الشرطِ ، فبينما تستخدمُ لفظةُ شرطٍ أو علامةٍ للاقترابِ كما قال المولى : ( فقد جاءَ أشراطُها ) أي الساعةِ ، وقال : ( فيمَ أنتِ مِن ذكراها ) ) أي بعْث نبي اللهِ محمدًا من علاماتِها وأشراطِها ، فإن لفظةَ علمٍ تستخدمُ للدلالةِ على الماهيةِ وعن مجرياتِ الحدثِ نفسه ، فضلًا عن كونِ العلم بوقتِ قيامِ الساعةِ لايتحققُ أصلًا بوقوعِ الشرطِ ، إذ مَنْ منَّا يعلمُ وقتَ قيامِها رغم أن نبينا مِن أشراطِها ، وبرغمِ قولِ ربِّنا أن أشراطَها قد جاءتْ .. مما يجعلُ استخدامَ لفظةَ " شرطٍ " أو لفظةَ " علامةٍ " أولى من استخدامِ لفظةِ " علمٍ " للدلالةِ على قربِ الساعةِ ، ولذلك لم نجد كلمة الساعة قد جُرَّتْ " بباءِ التقريبِ " بينما قد جُرَّتْ " بلامٍ " وهي ما يمكن أن نعتبرها لامُ التعليل ، بينما قد جاءتْ اللامُ في " لعلمٌ " توكيديةً ، بينما يتنافى التوكيدُ مع علم وقت قيام الساعةِ لأن علمه فقط للهِ ، مما يزكي استبعادَ معنى التقريبِ في المرادِ من قولِه تعالى : ( وإنه لعلمٌ ) ، ليكونَ المرادُ منه أنه دليلٌ على قيامِها وعلى حدوثِ أحوالِها مما يثبت البعثَ وهو أزكى ، مما يُخرج الآيةُ والتي سبقتها ( وإن مِن ) مِنَ المشاكلةِ والمشابهةِ ، بينما هما آيتانِ محكمتانِ فيهما قطعٌ بالثبوتِ والدلالةِ على المعنى كما فسرنا بعونٍ من اللهِ عز وجل .
أما الفيصلُ في هذا الأمرِ من كتابِ اللهِ ، إنما نسوقُه ونتكلمُ عنه في الجزءِ الخامسِ والأخيرِ بعونِ اللهِ ومشيئتِه .
ياسر شلبي محمود
كاتب ومفكر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق