.................
وليد.ع.العايش
...................
مذكرات رجل شرقي
/ الليلة التي قتلت رجلا /
كان المطر الكانوني يضرب وجه الأرض دون هوداة بينما الرياح تقسو على ما تبقى من أغصان على جذوع أمهاتها ، الدرب إلى بيتنا موحلة في ظل اختلاط الماء مع التراب .
إنها إحدى ليالي شهر كانون الطويلة التي يحلو فيها السهر مع الرفاق ، لم أكن لأغيب عنهم رغم قساوة هذا الجو ، فالسهرة تبدأ مبكرا .
ركبت دراجتي النارية وانطلقت إلى بيت صديق كانت السهرة عنده حينها بعد أن ارتديت ما يقيني من المطر والبرد والرياح .
في ذلك التاريخ لم يكن قد مر على زواجي أقل من سنتين فقط ( أي أني عريس جديد في عرف أهل القرية ) ، طبعا ذلك لم يكن سببا في اعتذاري عن الذهاب ، كما أن صراخ زوجتي هو أيضا لم يترك أثرا على قراري فعنفوان الشباب لا توقفه الأسباب .
مضت السهرة ممتعة للجميع لكن المطر مازال على قيد الحياة ، والرياح تشتد أكثر وأكثر ، الساعة العاشرة هي بداية العودة بانتظار سهرات أخرى تواعدنا عليها قبل أن يذهب كل واحد منا إلى معقله وأنا منهم بكل تأكيد .
طبعا لم يخل الحديث من التندر بما ينتظر المتزوجين منا ، فكانت وسيلة للضحك واختراع جو من المرح في نهاية الليلة لكن الكثير من السمار يظنها مجرد نكات لتمرير الوقت أو أشياء أخرى ، في ذاك الوقت لم تكن التكنولوجيا قد حضرت ( وليتها بقيت في وكرها ولم تأت ) .
دقائق فقط مرت مسرعة وأنا أتلقف المطر بمتعة والرياح تقسو على وجهي فأصبح أحمرا رغم ( سمرته ) ، كنت اتحاشى الوقوع في مطبات المياه أو الوحل التي انتشرت بكثرة في الطريق إلى البيت .
كتت جائعا حينها ( والشبان يجوعون كما كانت تقول أمي ) ولجت إلى غرفتي حيث كانت زوجتي مازالت تقرع طبول السهر ولم تركن إلى النوم رغم أني كنت أتمنى ذلك .
بدأت بتغيير ملابسي الممتلئة بالمياه كما البرك التي اجتزتها أثناء عودتي .
وفي هذا الوقت تجرأت أن أطلب من زوجتي أن تجهز بعض الطعام فليس هناك سبيل للنوم وأنا جائع ، استجابت دون أي تأخير فانفرجت أساريري حتى أني وعدت نفسي بسهرة مختلفة .
كانت غرفة أمي التي مازالت شابة تبعد بضعة أمتار فقط لكن الكل هناك نيام ، فعادة أهل القرى النوم باكرا لاسيما في ليالي الشتاء ، لن أنس أن أخبركم بأني كنت قد انتهيت من دراستي الجامعية وبدأت العمل في بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية آنذاك .
للتو حضر طبق الطعام وكنت قد ألهبت المدفأة طلبا للدفاع عن البرد ، ها أنا الآن التف على طبق الطعام دون أن ابدأ فقد طلبت منها أن تشاركني طعام العشاء لكن لم أكن أدر بأنها تحضر لعشاء آخر تماما .
بدأت بسيل من الأسئلة وغالبا ما يتخللها شتائم تطال شهادتي وعملي ، بينما كنت أقابل ذلك بشيء من النكات والضحك ظنا مني بأنها ستكون كافية لحدوث انقلاب ما في مسيرة الحديث الذي بدأ يطرق النافذة ويخترقها خارجا كما تفعل الريح التي احتلت مكان المطر بعد أن غادر منذ وقت قصير .
لكن هيهات هيهات أن يحول الحديث سبيله ، انكمش صدري أكثر وأكثر ، الطعام لم يستطع اختراق أول سبله نحو المعدة الفارغة ، طلبت منها أن تكف عن حديثها أو أن تصمت لكنه عناد النساء ، نظرت إلى سقف الغرفة فوجدته يدور كعجلات قطار ، رأسي أصبح مثقلا وثقيلا كما لم أعهده من قبل ، ضربات قلبي أصبحت مسموعة فهي كانت سريعة قوية مختلطة بين الانتظام والبعثرة ، العرق يتصبب فجأة ، شعرت بأن شيئا ما يدق ناقوس الخطر ، لم تقبل أن تخبر أمي و إخوتي رغم إلحاحي ، الآن شاهدت الموت يلوح في أفق حياتي ، وقفت رغم كل الألم وانطلقت إلى غرفة أمي الطينية الصغيرة ، أخذتني بحجرها لوقت ثم جهزت كأسا من ( الزهورات ) حيث كان أهل القرى حينذاك يظنون بأنها كافية لعلاج أي داء وتهدئة الألم ولكن ذلك كان يذهب مع الرياح التي لم تفارقنا حتى تلك اللحظة .
اجتمع أبي و إخوتي حولي ، كان الحال يزداد سوءا ، لا مجال للتريث أكثر من ذلك ، حضرت سيارة جارنا أبو مازن ( البيك آب ) وانطلقت إلى أقرب طبيب حيث تجاوزت الساعة منتصف الليل ، كان طبيبنا مبتدأ حينها فهو ضابط بالجيش فتح عيادة إسعافية ويقيم فيها .
فحصني بشيء من الاهتمام ، كرر الفحص مرات ثم تركني وتوجه إلى أخي الأكبر الذي رافقني بينما كان يفصل بيننا ستار قماشي ، تنامت إلى مسامعي كلماته ( التي مازالت تقرع أجراسها حتى اليوم ) ، ( اسمع أخوك لديه مشكلة كبيرة في القلب ولابد من عرضه على طبيب مختص ) ... وقعت الكلمات كالسيف على رأسي ( ما به قلبي وأنا الرياضي الذي أجري عشرات الكيلومترات يوميا ) ... أعطاني إبرة ثم غادرنا وكل من معي يظنون بأني لم أسمع ما قاله الطبيب .
في تلك الليلة لم أعرف للنوم حياة ... في الصباح بدأت رحلة أخرى في العاصمة من طبيب إلى آخر ، حيث لم يقنعني أيا منهم بأني لا أعاني من أي شيء وما حدث كان نتيجة لأزمة نفسية ، من يومها بدأ الوسواس يسكنني كما عصفور لا يغادر عشه ... ومازال ... ومازالت ...
وليد.ع.العايش
١٥ / ١ / ٢٠٢٢م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق