..................
رشيد (فوزي) مصباح
...............
"رسالة من داخل السّجن"
(رواية قيد الإنجاز)
ـــــــــــــــــــــــ
بقلم : رشيد (فوزي) مصباح
ــــــــــــــــــــــ
الجزء الثّالث
(2)
- أن تكون سجينا وتحظى بالاحترام، فلا بد أن تكون قويّا مفتول العضلات؛ لاكتساب الهيبة بين السّجناء، يلتجئ بعض المساجين إلى تقوية عضلات اليد باستخدام أنواع القارورات المعبأة بالمياه وكل شيء يجدونه أمامهم.
- لكي تحظى برعاية خاصّة، لابد أن تكون لديك "المعريفة". فتجد بعض الأولياء يحرصون على إقامة علاقات مع الحرّاس، ومن بين هؤلاء الحرّاس أبناء أصول محترمين، ومن يمارس الابتزاز على العوائل المكلومة، والتي لا تجد بدّا من الاستجابة لمطالب هؤلاء السفلة. ولقد اشتكى لي صهري ذات يوم من أحد الحرّاس النصّابين كان يدّعي أنّه يقدّم لي خدمات خارج إطار العمل، ولما يئس من صهري ذهب إلى والدي ولايعرف أن الذي يتعامل معه شرطيٌّ قديم، فلقي منه ما يستحقّ. وهو ربما الذي دفع " بالبريفو" إلى التعامل معي بحذر مغلّف بالإحترام، فاختار لي مكانا بجواره، وراح يغدق عليّ بأنواع الأكلات والفواكه التي تصل إليه من هنا وهناك "بالحيل وبالعون وبالقوّة". حتّى صرتُ أخجل منه ومن نفسي، لِما أعتقدتّه طيبة وحسن خلق. فأمضيتُ أوّل ليلة جنب "العرين" كواحد من أعوانه المقرّبين. وكذلك كانت اللّيلة التي بعدها... وفي إحدى اللّيالي استفقتُ على أنين و وحْوحَة، فحسبته يهذي من حُمّى أصابته، ورحتُ أتثبّتُ في الأمر، فتبيّن لي أن مصدر الأنين وتلك الوحْوحَة شخصٌ ثانٍ يتقاسم معه الفراش: - وا عجباه كيف لم أنتبه إليه!؟. فلم يغمض لي جفن في تلك اللّيلة، وبتّ أنتظر طلوع النّهار، وفي الصباح رأيتُ الولد الشّاب مصدر الأنين وكان في غاية الوسامة، وبدافع الفضول رحتُ أسال عنه بعض الرّفقاء، فقيل لي إن حضرة البريفو "يقضي شهر العسل مع الولد الغلبان"، وأدركتُ عندها أنه لا مبيت لي بعد الآن في ذات المكان، وبات لزاما عليّ البحث عن مكان آخر يليق بي، بعيدا عن الوحْوحات والشُّبهات، فأنا رجل أُصلّي وأصوم وأحاول جمع الصّفوف قدر المستطاع، ومع ذلك لحقني حضرة البريفو يترجّاني ويطلب منّي العودة، وتظاهر لي بعدم معرفة السبب في تغيير المكان، وراح يحاول إقناعي بكل الطرق لعلّني أتراجع عن قراري، لكنّني نفرتُ منه ولم أعد قادرا حتى على مجرّد النّظر إليه، بسبب تلك الأفعال المشينة التي يمارسها، وأشفقتُ على الولد الغلبان، واحترتُ في أمره، وتأسّفتُ لحاله كثيرا: "كيف يصبر على كل تلك المهانة؟!" -
أو تكون لديك شخصية " علّوش"؛ الولد الشّاب الذي لم يبلغ بعد الثلاثين، ومع ذلك يروي قصصا عن البطولات والأمجاد التي حقّقها، بطريقة " هيتشكوكية "، و" دانكيشوطية"، وهزلية مضحكة. وأينما حل وارتحل ترى جموع المساجين من حوله، ينتظرون ما يخرج من فمه، يتملّكهم الضّحك من كلامه الغريب وحكاياته العجيبة عن مشاركته في ثورة التّحرير المجيدة؛ وكيف حمل ذات مرّة الحمار على كتف، والبندقية على الكتف الآخر، ليعبر الوادي الحامل. إلخ... من الخزعبلات التي كان يرويها بعفوية تسترعي الانتباه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق