.............
عبدالاله ماهل
...............
يوميات سائق
الحلقة السادسة
وهو في طريقه إلى المحطة، يستعجل الخطو وسط زحمة المارة، لا ظل ولا ظليل يقيه حر يومه هذا؛ وكأن الهم والغم منصب على البنيان ولا شيء غير البنيان، والطبيعة وما تحويه من خضرة واخضرار خارج الحسبان.
يتسابق مع الوقت، وعيناه جاحظتان لا تحيدان عن عقارب الساعة.
تمة زميل له هناك على موعد معه، ينتظر بفارغ الصبر قدومه، لا لشيء إلا ليرمي عنه عبء مناوبة، ارقته، أثقلت كاهله على مدار يوم كامل، انتهت ولله الحمد بعودة سالمة.
ومن حيت لا يدري، خرج عليه ذلك السمسار، في حالة يرثى لها؛ وكأن الدهر جار عليه أو لعنة نزلت عليه، استوقفه، وتوسل منه قهوة وسيجارة.
لم يشأ أن يروغ عنه، وحاجته فيه، ولابديل عنه يذكر، يعفيه عاقبة هذا السمسار، وعروضا غالبا ما لا تنتهي على خير.
لم يخيب مسعاه، واجابه إلى طلبه؛ أمده ببعض الدريهمات تجب القهوة والسيجارة وحتى بقشيش النادلة، فكان المقابل: سيارة اجرة أتى الأجل على نهاية استغلال مأذونيتها، تعرض وبكامل أوصافها للبيع، وبثمن يكاد يكون ببلاش؛ وكأن صاحبها يستعجل أمرها بطرد نحس لازمه طول استغلالها؛ فبات التخلص منها، أهون من الإبقاء عليها.
وكأن لديه نية مبيتة؛ إذ سرعان ما انقض عليها، وبات من ليلته سيد موقفه، يتأرجح بين الرسمية والعشوائية بعيدا عن الأنظار، وفي سرية تامة.
سيارة بكامل الأوصاف؛ علامة بادية للعيان، ولون ساطح كضوء الشمس، ورقم اخذ تشفرته من خيال، ولا شيء ينقصها إلا تلك المأذونية...
جابت شوارع المدينة ذهابا وإيابا، ولا من أحد اعترض سبيلها أو عكر عليه صفو قيادتها؛ أريد بها باطلا؛ لتظهر بزي رسمي وتنأى عن العشوائية، وتسلم من ريع هذا وابتزاز ذاك.
استحلى مدخولها، وآنس منها أمنا وأمان؛ إلا أنه لم يقو على كثمان سرها، فكان أقرب المقربين منه، طالما اعفاه مغبة التنقل، سباقا للوشاية به؛ ليجد نفسه في صبيحة غد مطوقا برجال غلاظ، لسان حالهم مقابلا أقرب منه إلى الخيال.
وكأنه صيد ثمين سقط من الأعالي بشباكهم؛ دخلوا معه في مساومات، لم يستطيع معها الرضوخ لابتزازهم؛ ليتم تحرير محضر في حقه بتهمة التزوير، واستعماله، ويقدم في حالة اعتقال إلى العدالة.
وكانت النيابة العامة أعقل منهم جميعا، وأرحم منهم جميعا، لتعيد تكييف النازلة على اساس النقل السري ليس إلا، ومن ثم يطلق سراحه بكفالة.
...وكان المتهم آخر من تكلم، لتخلد المحكمة إلى المداولة، وتصدر حكما لم يتعدى غرامة فقط.
تأليف: عبدالاله ماهل
المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق