الأربعاء، 3 فبراير 2021

 ...............

موسى غافل الشطري

...............



قصة قصيرة
هزارات الصباح
المقطع الثاني و الأخير
: أي زمن اقرب إلى قلبها ؟ ذلك الذي اقصاهم عن عينيها و قلبها بعيداً ؟ أو ذلك الذي تعرف جيدا مقترباته ؟ الحالات تتداخل. فللزمن والمكان و الضرورة حضور مؤثر. ولكن. . تلك المشاهد العزيزة في هذه الحديقة وفي البيت, تعرف ما كان يحدث, من صوت مألوف, أو نادرة, أو قهقهة, وتعرف تلك البذلة, وتلك الحذاء, التي طالما دأبت على تلميعها . والملابس التي كوتها وكتبهم ..... وإنها تحس برائحة وألوان الأشياء القريبة.
أما النائية ؟؟؟ ما لم تعرفه فهو غريب وموجع .
من أين لها أن تعرف ؟ أي مألوف يكمن خلف هذا الجدار النائي الأصم , المتكئين عليه ؟ تلك السيارة الغريبة, الشاخصة بانتظارهم ؟ كأنها بدل قلبها ، تمهلهم وقتا مشروطا. لكي تضمهم إلى قلبها الحديدي البارد.
والطريق الغامضة, أهي أمينة أم مقلقة؟
هذا وغيره يشغلها بما يحدث لها عند قـــــرعا ت الهاتف ؟ تجري أوقات الاتصال : لو أحست بشاغليه ... لأستلب هدوء قلبها كله . في غفلة من درايتها.. ذات ثمن باهظ ، لكي ينقل الهاتف, عبر زمن غير يسير ومكلف الى تلك الأصقاع المتناهية البعد : تفاصيل أُرادوا لها أن تشنف اسماعهم بما يحدث داخل البيت0إنما.. لكي يشبعوا لوعة القلوب المشوّقة : ليوهموا أنفسهم ، كما لو انهم على بعد خطوات, كما لو كانوا ثاوين.. في إحدى غرف البيت, ويختلسون التفاصيل اليومية لحياة الأم و الأب, عبر اللاقطة التي ينفرط اقترابهم عنها . زمن استدار عقده واكتملت حلقته بالتمام. صوت الأم الشاكية من صداع الرأس الذي أزمن. أنينها ، و هي تناديهم أن يرأفوا بحال قلبها . حركة الأواني وصخبها على حوض الغسيل. ملعقة الشاي وهي تعزف رتابتها المتباطئة في قعر القدح.ماسورة الماء . التقط الهاتف كل هذا بلاقطة حساسة جدا, لكي تشنّف أسماع ثلاثتهم ، من هناك بوهم التواجد. أشياء مستعدون أن يقايضوها للعودة بأملاك الدنيا كلها.
كان يجري كل ذلك .. والهزارات الثلاث اللائذة, تشغل بال الأم تماما وتذكرها بالتياعها. كم تقترب من نافذة الانتظار ؟ حتى تستطيع أن تحلم .. بوضع أناملها التي اْكَتوَت بهسيس الموقد, وتمسح بهن على رؤوس هزارات : حلقن ونذرن أنفسهن ... لشوق قصي ,كان هسيسه ملوعا ,شغلن فؤادها بترنيمة صافية, مثل أديم السماء ونقاء قطرات الصنبور, التي طالما .... أرهفت سمعها إلى تلك الرتابة الموحية.
كانت الأم تمر حذو الهاتف الذي هيأه الأب , ليتسقط بكل جوارحه, لكل شاردة وواردة تحدث في أروقة البيت, والذي واراه الأب حسب رغبتهم,خارج انتباه الأم وهي ماضية بثرثرتها الملتاعة مرددة مقطعا شعريا ينضح بلواعج فؤادها.
ثلاث هزارات .... أذاب الحنين سويداء قلوبهن. كامنات عمدا و حاشراتآذانهن خلف اللاقطة ،في عتمة ملاذهن . ابتغين أن يكون غناؤهن أكثر عذوبة وصفاء, في صباح لم تختلط فيه الأصوات بعد, ويبعثن بحكاياتهن, والتي مهما بلغت من صدق المشاعر هي على حال ... تثقل من وطأة أوجاع القلب, وتجعله مستلب البال.
وقفت تنصت باستدارتها, وجهة وكنهن علها تسمع واضعة يديها تحت رهال ثدييها, كأنها تعينهما ليعطيا متسعا لأضلاعها, والذي يتواصل وجيف قلبها تحتهما من إرهاق الشوق، كأنها تعلمهن كيف أثقل عليها قسوة الوجد, من نوم هيمن على هدأته وجع الرأس من فراق كان ينبغي أن يختم و يتحول إلى ذكرى لوعت فؤادها كثيراً . رفع الأب لاقطة الهاتف ... واستمع مبتسما ومنغمرا في حوار, ثم كان الوقت قد ابتلع زمنا غير قصير.وتعاقبت : ثلاث نبرات يودعن الأب بالتعاقب. ثم حل دور الأم, فاستدعاها الأب مشجعا, لكي يخفف من وطأة المفاجأة: لنداء اْستلبت زبدته عنوة مما افتقدوه ولطالما تحرقت هي إليه. وقبل أن تخطو متعثرة كان أخر ما التقطه الهاتف ضجيجا من ارتطام الأواني الخزفية, وهي تنـزلق من بين أصابعها.
موسى غافل الشطري
18/8/2001

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق