................
موسى غافل الشطري
.................
قصة قصيرة
هجرة الطيور
المقطع الأول
من مجموعة (ذات الإطار الأبنوسي)
عندما حان لي أن أطأ ارض مدينتي عبر بوابتها المحصنة بالحراس المدججين . والتي فارقتها مبعداً منذ أمد بعيد . كان عليّ أن أقف أمام الرجل ذي الرداء الزيتوني المتجهّم، ليدقق أوراقي الثبوتية ، وأنا في خشية مما هو أسوأ، ففاجأني مقطباً:
ــ هل لديك معارف هنا؟
أبرزت له نسخة من المعاملة التي جئت من أجل إنجازها .
كنت راضياً أن أبدو مجهولاً لديه ، فذلك ما ينفعني، لكي أدخل دون منغصات ، وأنجز مهمتي، وأعود أدراجي إلى منفاي بسلام .
عندما وصلت اتجهت إلى مدرستي الابتدائية للحصول على وثيقة .
دخلت المدرسة ووجدت الملاك التعليمي . وبعد الترحيب و الاستفسار عن الأحوال فتحوا سجلّي و أطلعوني على صورتي .
كنت طفلا آنذاك ، لم أفكر باني سأعاني ذات يوم من متاعب الإقصاء.
حين أنجزت مهمتي تصفحت السجل و عثرت على صورة لصديقي سمير ، الذي أقصي من المدينة ، قبل إقصائي ، مع عائلته. و تطرقنا إلى ذكريات غالية، ما جعلني أتحسس أنهم على بيّنة من دقائق أموري . وبعد أن أنجزت مهمتي، خرجنا إلى الممر الذي يتوسط الحديقة .
لم تكن الحديقة آنذاك قاحلة كحالها الآن ، حيث مارسنا خفية أنا و صديقي قطف أزهار العطر و الشبّوي و الاقحوان و تبادلناها ، لائذين تحت ظلال شجرة اليوكالبتوز العملاقة . هي الوحيدة التي ظلت تقاوم زمن الإلغاء والإقصاء. عندما رفعت رأسي إلى جلال قمّتها المرتفعة إلى السماء ،كانت تستقر في الأعالي ، كحالها بعد غيابنا ، بقايا من طيورٍ صدّاحة ، ذات أصوات لا تعرف الخشية . طيور استمرّت على إطلاق أصواتها دون وجل . أتذكّر أني و صديقي سمير لهونا تحت ظلالها . بقيت هي رمزا و شاهدا على كل ما مرّ و يمر . يوم ذاك كتبنا اسمينا على لحائها ونتأ الاسمان متعانقين كأنهما من صنع الخالق . لكني الآن لم أشاهد لهما أثرا . أعتقد أن الزمن محا كثيرا من الأشياء العزيزة . وتطلعت لجذعها الذي بان عليه آثار الزمن الغابر ، فبدا مثل جسد خزين بالسنين و أحداثها.
بعد حديث مستفيض ، رافقني الملاك حتى باب المدرسة وودّعوني .
اجتاحتني رغبة ، كعادتي في كل مناسبة .. أن أمر على الشارع الذي تقع فيه دار صديقي سمير لكي ألقي نظرة عليها . فقد مضت في طريقها لأن تكون ليس إلاّ أطلال خربة . وإلى شجرة اليوكالبتوز الهائلة التي لعبنا حولها في دار سمير . هي قرينة لشجرة المدرسة في كل شيء. بدت عموداً قائماً بحالة مزرية ، يقاوم الفناء و النسيان . و تطالعني بقايا من الباب الذي لم يصمد منه سوى العارضة العلوية بعبارته (موطني..موطني)التي حفرها صديقي على واجهته و اقتبسها من عنوان النشيد الوطني: ( موطني ) فتداعت الذكريات تلمُظ في ذاكرتي ، منتزعة نفسها من عتمة النسيان .
* * *
تعمقت علاقتي به ، وأنا في الصف الثالث من الدراسة الابتدائية ،لاقتراب رحلتي التي تقدمت رحلته مباشرة .
ذات يوم وأنا أغادر المدرسة ، تابعت سيري خلفه ، كان يكرر التفاتته نحوي وهو يمضي إلى البيت ، كرر ذلك وهو يدلف إلى الداخل.غير أن أحد الأطفال قذف بابهم بالحجارة واختفى . فلم تجد أم سمير سواي وهي تهرع إلى الخارج ، فمسكتني بعنف و اقتادتني إلى الداخل و هي تعنفني ، و أنا أبكي خائفا. لا أدري بالذي يحدث ، رغم أني أقسمت ببراءتي . فوجئ سمير وأنا أبكي بين يدي أمه ، فظل يكرر صارخا :
ـ أطلقيه ...إنه لم يفعل شيئا .. ليس هو الفاعل .
بقيت نظراتي تستنجد به وهو يحاول أن يخلصني . ويبدو أن الأم أدركت أنها تعجلت في الأمر، فلاطفتني و مسحت دموعي.
غادرت بيتهم وأنا التفت بذعر إلى الخلف .
موسى غافل الشطري
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق