السبت، 16 يوليو 2022

 ................

ماهر اللطيف (تونس

................



حالة هستيرية
لا يزال يهذي ويحكي بصوت مسموع والدموع تنهمر مدرارا من عينيه - ككل يوم في مثل هذا الوقت والمكان - وهو يحاول مسح وجهه والابتسامة من حين لآخر والشمس تميل نحو الغروب"...وقد رفضت طلبي أماه وطلبت مني خطبتها من والديها أولا قبل الخروج معي ومرافقتي إلى أي مكان أين يمكن أن يرانا فيه من هب ودب، فاخبرتها أني أنتظر عودة أمي قريبا لتقوم هي بهذه المهمة العصيبة"، حتى شعر بيد توضع على كتفه بلين وصوت حزين رقيق يخترق أذنيه وهو يقول بصوت شبه مسموع:
- كفاك بني ثرثرة وبكاء على الأطلال وثب إلى صوابك، فمن ذهب لن يعود
- (مقاطعا بصوت مرتفع بعد أن التفت إلى والده وحضنه بقوة) ستعود أمي ابتاه، ستعود عما قريب ان شاء الله، فلن تتركني وحيدا في هذه الغابة والذئاب تنهش لحمي من كل جانب وحدب
- (مقاطعا َوهو يبكي أيضا) لن يؤذيك أحد مادمت على قيد الحياة بني، سأكون اسدك ايها الليث في غياب لبؤتنا، ثق بذلك وها اني اتعهد بذلك امامك وامام الله للمرة الألف ولم تثق فيا بعد يا فلذة كبدي
- (منهارا ومستسلما للبكاء وهو يقبل والده من كل مكان) بل اثق بك ثقة عمياء أبي وليس لي من خيار غير ذلك، لكن غياب أمي ترك فيا فراغا كبيرا، لا ليس فراغا بل إنه حطمني، كسرني، هدمني ونال مني (والأب يطبطب على ظهره ويقبله بحرارة وقد اختلطت دموعه بدموع ابنه) فقد انتفى الدلال والحنان وفقدت حافظة أسراري واخطائي، خسرت صديقتي وحبيبتي وناصحتي وموجهتي ودليلي في الحياة
_ (بنبرة حزينة) رحمها الله بني، فقد قضت عليا أيضا وبات وجودي مثل عدمه لولاك، لقد كانت عشيرتي وشريكة حياتي ورفيقتي، نفسي الذي اتنفسه ودمي الذي يسري في شراييني.... (يصمت قليلا لاسترجاع أنفاسه) لكن، هذه هي الحياة وهذا هو قدرنا بني، فقد حان وقت سفرها إلى الحياة البرزخية في انتظار قدومنا إليها ما إن يحل وقت رحيلنا، نال منها المرض وسرق منها بسمتها وصحتها وحضورها، انتزع منها كل شيء حتى الرغبة في الحياة والاستمرار معنا بعد أن باتت ترجو الموت عن الحياة جراء الالام التي شعرت بها
- (صائحا وباكيا قبل الدخول في هالة هستيرية) اصمت ارجوك ولا تقل مثل هذا الكلام. أطال الله في عمرك وامد في انفاسك أبي فأنت سندي الوحيد الذي بقي لي وأنت عالمي ووجودي وسر تواجدي (وتبادلا الاحضان والأب يحاول تهدئة ابنه وارجاعه إلى الجادة) ،انت الذي اوصتني بك أمي حين قالت وهي تحتضر وكنا وحيدين في المنزل حين خرجت جريا بحثا عن طبيب عساه يسعفها ويمدد في حياتها "عليك ببر والدك والعمل على نيل رضائه بني، ولا تنس قوله تعالى وقضى ربك أن لا تعبدوا الا اياه وبالوالدين إحسانا اما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم أعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين فانه كان للاوابين غفورا (من الآية ٢٣ إلى الآية ٢٥ من سورة الإسراء) ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم رضاء الله في رضاء الوالد وسخط الله في سخط الوالد . فاتق غضب الله من خلال غضب والدك. أما أنا فإني راضية عنك تمام الرضاء إلى يوم الدين "
- (حاضنه ومقبله من راسه وجبينه والدمع يذرف بقوة) لا تخف بني، فإني بحول الله من الراضين عنك في الدارين...
وبقيا كذلك برهة من الزمن حتى قال الابن لأبيه وهو يبتسم:
- نسيت ان أخبرك اني اعلمت امي بما حصل لي اليوم مع نهى التي رفضت مرافقتي لتناول الغذاء قبل أن تتم خطبتنا، فاجبتها اني في انتظار عودة أمي لتكون خاطبتي وقائدتي في هذه المناسبة
- (وقد تجددت الدموع من الأعين والحزن والاسى) لا تحمل هما ولدي، فقد فاتحت والدها في هذا الموضوع واتفقت مع خالاتك واعمامك لزيارة عائلة نهى في نهاية هذا الأسبوع، فاستعد لخطبتك بني لتكون هديتك العظمى لروح أمك وثق انها ستفرج أيما فرح ما إن تعلم بهذا الحدث الجلل.
-----------------------------------------------------------------------------بقلم:ماهر اللطيف (تونس
🇹🇳
)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق