الأحد، 22 سبتمبر 2019

....................
الهادي خليفة الصويعي/ ليبيا
..............


Robe de mariée féerique

المنفي

كان أبوصاع الاخ الاكبر لأخوته, فهو الابن البكر لأبيه, وكان في مرحلة بداية الشباب من عمره, عندما وقفت سيارة لاندروفر أمام خيمتهم ونزل منها جنود إيطاليون وهم يحملون بنادقهم, وكان بالسيارة شخص يرتدي الملابس الليبية التقليدية, بدلة عربية وطاقية بيضاء, صاح الايطالي مخاطبا ذلك الرجل إنزل أيها الوغد, فنزل ذلك الشخص وهو يرتعد من الخوف ومن الحياء.

وكان مقدم السيارة قد أثار الفضول فتجمع العديد من الرجال والاطفال أمام بيت الشيخ الميروك, في حين تنبهت النساء والصبايا فأخذن يراقبن المشهد من داخل البيوت, كان من ضمن من خرج والد أبوصاع رجل مكتمل الرجولة تبدو عليه سيمات من الهيبة والوقار, وكان طويلا ذو شوارب ويرتدي الجرد ويعتمر فوق رأسه طاقية تميل في لونها الى السواد وكان ثابت الجنان, تقدم ناحية الايطالي وهو يقول: خيرا أيها الضابط ما الامر, لم يعره الايطالي أي اهتمام لكنه اقترب من ذلك الشخص وتوجه إليه بالسؤال: هل هذا هو الشخص المطلوب؟, تلكأ ذلك الشخص في الاجابة فصفعه الايطالي على وجهه وهو يقول: أجب بسرعة أيها...و انطلق يكيل له السباب والشتائم بشتى أنواعها, فتبسم ذلك الشخص في محاولة منه لإرضاء الايطالي وهز رأسه بإلايجاب, فعاود الايطالي صفعه وهو يقول: أنت خجل أم خائف, أنت عميل لإيطاليا العظيمة فلا تخجل ولا تخف, فقال ذلك الشخص بنبرة مرتعشة: نعم إنه هو؟, في تلك اللحظة, أمر الضابط العساكر الذين معه بالقبض على الشيخ المبروك وهو والد ابوصاع, وقيدوه, وأقتادوه الى السيارة, حاول البعض التصرف لكن الجند أشهروا أسلحتهم في وجوههم, وخرجت بعض النسوة من البيوت وبدأت زوجة الشيخ تصرخ وتولول, لكن الشيخ المبروك أشار إليها بالدخول, فأمتثلت لأمره على مضض, وتوجه بالكلام الى إبنه ابوصاع قائلا: دير بالك على أمك وأخوتك الى حين عودتي, نظر إليه الضابط الايطالي , وقال: نعم الى حين عودتك, وأركبوه السيارة, ولكنه قبل أن يركب التفت الى ذلك الشخص الذي يرتدي الملابس الليبية وتفل في وجهه وهو يقول: لعنة الله على الخونة, وبسرعة أنطلقت السيارة, مثيرة خلفها غبار حجب الرؤية لبعض الوقت, وكان يوما عصيبا, فقد قام ما يشبه العزاء في بيت الشيخ المبروك, وعرف البعض شخصية ذلك العميل ومنطقته, فتوعدوا بالانتقام.

لم يترك أبوصاع مكانا لم يطرقه بحثا عن والده, وبعد فترة أخبره أحدهم أنه في سجن بالزاوية, فذهب الى هناك, وبعد جهد جهيد سمحوا له بالزيارة, وما أن التقت الاعين حتى أجهش الابن بالبكاء فقد شاهد والده في صورة لم يعهدها, وشعر بمدى المعاناة التي يعانيها, لكن الوالد يتظاهر بالقوة أمام ولده, وكان حديثهما سريعا و له إتجاهين الولد يريد أن يعرف شيئا عن التهمة التي يسجنون والده بسببها والوالد يريد أن يطمئن على أهله من بعده, ولكن لا الولد تحصل على إجابة شافية من والده, ولا الوالد شفى غليله من الاسئلة التي تؤرقه, فقد صاح الجندي الايطالي لقد انتهت الزيارة, هيا غادر وإلاتريد البقاء معه, وكان يخاطب أبوصاع, , لم يهتم ابوصاع كثيرا بكلام الجندي, لكن والده قال له: هيا غادر يا بني ولا تنسى أن تهتم بشئون البيت في غيابي, فأنت رجل البيت الان, وجرجر الولد قدميه وهو يغادر السجن, وسمع صرير الباب الحديدي وهو يغلق, وكان ذلك الحاجز الذي فصله عن والده الى يوم القيامة.

عاد الى البيوت فأستقبلته أمه وأخوته وأخواته بلهفة فقد علموا كما علم قبل الزيارة بأن والدهم موجود بسجن الزاوية, وعرفوا أنه توجه الى تلك المدينة التي تقع الى الغرب من طرابلس العاصمة منذ الصباح الباكر, لكنهم لم يعلموا هل أستطاع أن يزور والده أم لا, وهل عرف السبب أم لا, فكانت الاسئلة تنهال عليه وهو جالس كالمشدوه, ونظره مسلط نحو الارض, وكان يغمغم بكلمات لم يجدوا فيها إجابات شافية, فكانت الاسئلة تتكرر دون جواب, وأخيرا تنهد بعمق وقال وكأنه يخرج من بئر سحيق: يستر الله, فقالت أمه متوسلة والدموع تملأ عينيها: هل قابلته؟, التفت ناحيتها ولم يجب لكنه دس رأسه في حضنها وأنخرط في البكاء, ففزعوا جميعا ظنا منهم أنه قد قتل, لكنه من بين دموعه, قال: نعم قابلته, لكنني لم أفهم ماهي التهمة التي يرمونه بها؟.

بقوا نحو ساعة من الزمن صامتين وكأن على رؤوسهم الطير, ولم ينتبهوا إلا عندما سمعوا نحنحة أبن عمهم مسعود وهو داخل الى البيت, فقامت الام وبناتها الى الناحية الاخرى من الخيمة , تركت المكان للرجال ليتداولوا الحديث, ونادت على إحدى بناتها لتساعدها على تجهيز شيء لأخوتها ليأكلوه.

تحلقوا جميعا حول سفرة الطعام, لكن أيديهم لم تمتد إليه, الى أن قال مسعود: إن امتناعكم عن الطعام لن يجدي نفعا بل سيزيد الامر تعقيدا, وتوجه الى أبوصاع قائلا: إرحم نفسك وإخوتك وأمك وأخواتك, فأنت راعيهم في غياب أبيك, وظل يتوسل إليه بأن يأكل ولو لقيمات, فأمتدت يده الى السفرة وأخذ لقمة وضعها في فمه, وعندها أمتدت أيدي إخوته الى الاكل, وكان يبدو عليهم أنهم جياع, فنظر مسعود الى أبوصاع, وأشار بعينيه الى إخوته, وكأنه يقول له أنظر إليهم أنهم في أمس الحاجة إليك, وبعد أن فرغوا من الظعام تحدثوا في الموضوع وقلبوه على جوانبه, وأتفقوا أن يذهبوا مرة أخرى الى الزاوية لعل الله يجعل لهم مخرجا.

ترددوا كثيرا على مدينة الزاوية وضواحيها, وطرقوا باب كل الاشخاص الذين يعرفونهم لعلهم يجدون طريقا يقودهم الى نتيجة, لكن كل المساعي بأت بالفشل, وانقطعت بأبي صاع وأبن عمه السبل, فقال أبوصاع لأبن عمه: إرجع أنت الى البيت فوجودنا هنا نحن الاثنان لافائدة من ورائه, تردد أبن عمه في البداية وأصر بعدم تركه لوحده في مثل هذه الظروف إلا أن إصرار أبوصاع جعله يوافق على مضض.

بقي أبوصاع بمدينة الزاوية وتردد كثيرا على مقر المحكمة والسجن لكنه كان دائما يعود بدون فائدة, فلا عين رأت ولا أذن سمعت, وكان قد استأجر غرفة على سطح أحد المباني ليقيم فيها, وكان يتحرك على قدميه من مكان الى أخر يحدوه أملا في البداية كان مضئيا لكنه أصبح يخبو شئيا فشئيا الى أن جاء يوم أنطفأ نهائيا, وذلك عندما مر كعادته على سجن الزاوية في محاولة منه لمعرفة شيء عن والده, ولكن الحراس طردوه وهددوه بالسجن إن عاد, فرجع يجرجر قدميه, لكنه ما أن خطا بضعة خطوات حتى سمع صوت يشبه الهمس : أسمع يا أخينا, التفت فإذا وجه ليس بالغريب يشير إليه بأن يتبعه الى أخر الشارع, فتبعه وهو يكاد يسمع دقات قلبه, وأنعطف ذلك الرجل الى شارع جانبي, وقف أبوصاع في الركن مترددا فقد داخله خوف وقلق, لكن ذلك الرجل رجع إليه وجذبه من يده وهو يقول: تعالى , عندي معلومة مهمة لك, فأنا أعمل بمطعم السجن, سار أبوصاع معه دون وعي, فقد أصبحت كلمة السجن تعني له الكثير, وصلوا الى فسحة من الارض فتوقف الرجل, وقال: أنا أعمل بمطبخ السجن, وقد جاءتنا أوامر قبل أسبوع بإعداد وجبات جافة لعدد كبير من الناس, فظننت أن هناك كتيبة من الجند ستتجه الى موقع معين, ولكن حسب علمي لم يكن بالزاوية جند قد دخلوا حديثا رغم أن الناس قد لاحظوا رسو باخرة بالميناء, وبعد عدة محاولات مني لمعرفة مايجري, أخبرني أنطونيو وهو رئيس المطبخ بالسجن, بأنه قد شاهد بقاعة السجن في الليلة التي سبقت الامر بإعداد الوجبات أغرب محاكمة في حياته,تسارعت نبضات قلب أبوصاع وأزدادت عيناه أتساعا, وهو يستمع لحديث الرجل, وأستمر الرجل في حديثه قائلا: قال أنطونيو أن قاضي جلس على كرسي وأمامه طاولة عليها بضعة أوراق ووقف وراءه جنديان بكامل عتادهما, وتم استجلاب السجناء الى القاعة, وحينما اكتمل حضورهم, قال القاضي: أنتم متهمون وقد حكمت المحكمة عليكم بالنفي الى إيطاليا, ونهض مغادرا القاعة, حدثت همهمة بين السجناء وحاول بعضهم الاحتجاج لكن الحراس كانوا يحيطون بهم من كل جانب, فأطقوا النار على بعض السجناء فأردوهم قتلى, وتم اقتياد البقية الى حافلات كانت تقف بساحة السجن الخارجية, وسكت الرجل برهة ثم أضاف: وقد تأكدت من خلو السجن من السجناء بتوقفنا عن إعداد وجبات الطعام التي كانت مخصصة لهم.

لم تعد قدما أبوصاع تحملانه, فأستند على الحائط وجلس واضعا راسه بين كفيه, وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله, وبقي على تلك الحال فترة من الزمن, أفاق بعدها فوجد نفسه جالسا لوحده.

نهض من مكانه معتمدا على الحائط, وظل واقفا لبرهة وهو يجيل النظر فيما حوله, وجرجر قدميه عائدا الى حجرته, وما أن وصلها حتى أرتمى على السرير, وترك العنان لدموعه لتنهمر بغزارة, وبعد نحو ساعة توقف عن البكاء وجلس على حافة السرير يحدق في باب الغرفة دون هدف, ثم نهض فجأة وأخذ يجمع حاجياته عى عجل وغادر عائدا من حيث أتى.


      الهادي خليفة الصويعي/ ليبيا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق