الأربعاء، 26 أكتوبر 2022

 .................

طارق منور

................




#البركة بين ضفتين
الحلقة 70
نزلت مبروكة بعد عشر ساعات من الطيران في مطار غواروليوس بمدينة ساوباولو ..في حدود الخامسة الا ربع مساءا كانت الشابة منهكة القوى متضعضعة الخاطر ....قد يسأل سائل و يقول كيف تترك حقيقة أهلها فلا تسلك طريقا لكشفها و تختار ان تشق طريقا ٱخر ....لا تفهم هل هو مهني ...هل هو دراسي ..ام هو هروب ....والارجح أنه هروب...نعم هروب من حالة قتل فيها الشغف للقيا الأهل ...نعم تلك الرغبة الجامحة التي كانت نارها تذكى في دواخل الشابة الفتية قتلتها فتيحة بطمس كل معلومة ....وكأن أنانيتها للاحتفاظ بمبروكة هي من حركتها و وصارت ترى أن كل حرف يحكي قي الامر يعد ضربا من ضروب الشرك ....حتى العلمي الذي يعلم ما يعلم لم يكن ليتكلم دون اذن فتيحة ...لهذا مبروكة رحلت علها تلتقط أنفاسا غريبة لكنها نقية تتقاطع مع ملامح لا تنفث الريبة ... تستقطع من الزمن وقفة كي تستجمع قواها و تحدد مراجعها واولويبتها ...لتنطلق من جديد ...كان أيضا ينغزها التساؤل عن هؤلاء الأهل الذي سمحوا فيها ...لم يبحث عنها أحد ...لم يسأل عنها أحد ...عاتبتهم في قلبها لامتهم على الهجران و التخلي...لكنها سرعان ما التمست الأعذار و التيريرات لهم.
اتجهت صوب فندق الهيلتون الراقي اين حجزت فيه قبل ان تقلع من باريس ...كانت تستقل سيارة الاجرة و تكتشف في طريقها إليه زحمة ساوباولو ....مدينة الكارنفال والسامبا التي لا تنام....وجب عليها ان تتأقلم على ايقاعها خصوصا اذا قبلت في كاستيغ المهندس اوسكار نايماير الذي سيختار فيه مهندسا واحدا او أثنين يضمهم لفريقه التقني ....
كانت الشابة متحمسة لولوج عالم الاحتراف الهندسي رغم انها علمت ان المترشحين كثر و قد جاءوا من كل حدب و صوب ليحوزا موافقة إلاه الهندسة كما يلقب هنا في البرازيل ...لكن اليوم قد مر ولابد من أخذ قسط من الراحة في الفندق و غدا سيكون الكاستيغ بداية من التاسعة صباحا في مكتبه بحي بيلا فيستا الراقي .
وكما كان مخططها وصلت قبل الوقت المحدد بعشر دقائق فوجدت طابورا طويلا ينتظر دوره فسألت أحد الشباب : هل قدم السيد اوسكار ؟ فرد الشاب: نعم السيد اوسكار يحضر دوما قبل الموعد و سيبدأ إختبارنا ...مبروكة : هل سيكون وحده ؟ ....الشاب : كلا سيكون معه مساعدته المعروفة اندريا كوستافو ...مرت قرابة الساعة على بداية الكاستيغ و كل من يتم المقابلة يخرج محبط العزائم فيسارع الكل ويلنفون حوله ليسألوه عن أسئلة المهندس فيجيب بأن أسئلته لم تكن تقنية ...اكثرها نفسية تنعلق بشخصك و ما تحب و انت و شطارتك قي الاجابة ...مبروكة لم تكن يائسة بالعكس كانت واثقة من أنها ستجيب بما تفكر و تحس ولن تنمق جملة و لا تصتنع تعبيرا ...لكن الاكبر والاهم من هذا أنها قررت سواءا قبلها المهندس اوسكار او لم يقبلها فلن تعود الى فرنسا ...لقد أرادت ان تقطع كل جذر يربطها بفرنسا و تبدأ من جديد وكأنها تريد أن تثبت للعالم أنها ستولد من جديد ...ولا حاجة لها للماضي بأحزانه بل وحتى ببهجاته وافراحه و بينما هي غائصة في صراعها مع نفسها حتى سمعت المنادي ينادي مريم وضاااح ...فانتفضت حملت محفظتها التي تحتوي على مذكرة تخرجها و دخلت الى القاعة التي كانت واسعة و طاولة بعيييدة ..يجلس على جنباتها الخرافي اوسكار نيماير قدوتها وابوها الروحي في المعمار ومعه اندريا كوستافو ...لم تجرؤ مبروكة للتقدم ..قدمت تحيتها لهم فنطق الرجل الذي بلغ لتوه الثمانين و لم يعد يقو على العمل بمفرده : تقدمي ايتها الشابة الظريفة و قدمي لنا نفسك ...فتقدمت مبروكة على استحياء محاولة ضبط حركاتها التي لو طاوعتها لهرعت الى استاذها لتعانقه ...كيف لا وقد كانت تقرأ كتبه واليوم هي متواجدة على بعد مترين منه هو ..شحما و لحما...قدمت نفسها فسألها قائلا ...من اين تخرجت يا مريم ؟ ...مبروكة : من كليةالهندسة بياريس يا سيدي ...اوسكار : اممم واي مدرسة تميلين في هندستك ؟ مبروكة : لكل مدرسة عيوب و محاسن ...لكني افضل مدرسة الحداثة ...هنا نطقت اندريا محاولة لاستفزاز مبروكة : ربما تفضلينها لأن أستاذنا اوسكار هو رائدها ...لكي تكسبي وده و يختارك ... كان اوسكار يترقب ساكتا ..فردت بكل عفوية و ثقة : سيدتي لقد جئت لهذا الكاستيغ لأنجح أو أخفق باسمي وليس لاني نسخة من تفكير الاستاذ ...اعجب الاستاذ بهذا الرد.لكنه يقي ثابتا وزاد : ولم تفضلين مدرسة الحداثة ...فردت مبروكة : لان مساحة الخيال فيها اوسع و تكسر كل اشكال النمطية ..فمثلا مشروعكم كاتيدرائية يرازيليا جاء بتصميم مخالف لتصاميم الكنائس المألوف شكل مسقف وسطه صومعة عااالية تحوي جرسا كبيرا ...لكنه اندريا ارادت الضغط اكثر : كان الاجدر بك ان تتخصصي قي الفنون الجميلة مادمت تريدين رسما يأتي على هواك و ليس بما تمليه الطبيعة ....مبروكة ..: اسمحيلي سيدتي ..ليس الفن مقتصرا على الرسم ...فااهندسة في نظري هي فن ...نعم فن رسم يجسد خيالنا في بناء...او قد يجسده في سيارة ...او حتى في كرسي او سلة فاكهة ...فنطق اوسكار : ولم قطعت كل هانه المسافة وانت تعلمين انك ممكن جدا نرفضين ....مبروكة : الحلم يا سيدي لا يعنرف بالمسافات و الصعاب وانا حلمي ان اعمل تحت اشرافك و انعلم منك فإن رفضت يكون لي شرف لقاءكم ...شكرها اوسكار و قال سنتصل بك لاحقا
اما في باريس كانت الأيام الأولى لمباركة فيها ...وبالضبط في كلية الطب بكوردولييه عسيرة بسبب صعوبة تخصص جراحة الاعصاب والمخ ...وما يحويه من مصطلحات جد معقدة تستوجب التزاما كبيرا منها ...كان الجميع يتكلم عن البروفيسور مارك عقباوي ...رجل ابوه جزائري وامه فرنسية ..لكنه ولد وترعرع في فرنسا ...ايقونة في الجراحة ....يلقبونه بالساحر ...ربما لأنه انقذ المئات من الحالات بفضل مهاراته ....رجل خمسيني متواضع جدا ...لا يملك سيارة...مسلم ملتزم ..يحب الرياضة و سماع القرٱن ...حارب كثيرا ليحوز مكانة مرموقة في الكلية و اكثر في كبرى المستشفيات الباريسية ...ضف الى ذلك عضويته في المنظمات الاقليمية والدولية .
ومنذ الوهلة الأولى اكتشف الرجل نباهة طالبته و اصرارها على الالتحاق بفريقه الجراحي ...لم تفصح عن هويتها لكنه من محاضرة لأخرى اكتشف انها جزائرية و قال لها حين ألحت عليه بوابل من الاسئلة : هكذا انتم الجزائريون ...متعجلون لقضاء أمركم ....فأجابت بكل لباقة ...ربما نحن كذلك ..لكننا لا نستسلم يا دكتور هههه ....اعجبه رد طالبته و لما اتم محاضرته ...تقدمت منه وقالت على استحياء ...: أعتذر منكم يا أستاذ ربما كان ردي عليكم ليس في محله ...فابتسم الاستاذ و رد مبتهجا : بالعكس لم أكن لأصنفك جزائرية لو كان ردك غير هذا الرد ...بالمناسبة أنا جزائري و جزائري حتى النخاع ...لكن أنصحك...لا تتسرعي ...إن كان على التخرج ستتخرجين و تمارسين الجراحة بلا شك...لكن قبل هذا وذاك تعلمي إتقان جراحتك ..تعلمي من كل فرد ..حتى ٱخر ممرض يناولك مشرطا او ضمادة ....كوني صبورة و اطلعي على ما يجد من تقنيات....كانت مباركة تستمع إلى أستاذها يحذوها الحماس و الفرحة ...لا يصدق مارك عقباوي ...الذي وصل صيته للجزائر و تكلمت الصحف والإعلام عن عملياته ...هي الٱن أمامه تحدثه و تستفيد من خبراته ...استجمعت قواها قبل أن يغادر وقالت له بكل شجاعة : بصراحة يا أستاذ ...بصراحة ...حلمي هو أن أنضم إلى فريقك وأكون بمثل مهارتكم يا أستاذ ... ضحك العقباوي و رد : لا تفكري هكذا والا كسرت كل مابنيتيه ....أحلمي أن تكوني أنت لا تكوني نسخة لي او لغيري ...كوني انت بقدراتك بعلمك بمحاسنك و عيوبك ....هذا هو الحلم الحقيقي يا مباركة .
في باريس تتراقص البركات فيها فبينما احداهما تغادر وتلعن يوم خروجها في هذه البقعة و بركة تتسم خيرا في وصولها لمدينة الجن و الملائكة وبين بركة وأخرى تتباعد المسافات و تتغرب القلوب ...يتبع
طارق منور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق