الخميس، 6 يناير 2022

 ................

ياسر شلبي محمود

.............




الْغَلَبَة
مِنَ المفاهيمِ الاجتماعيةِ الخاطئةِ وتحتاجُ هي إلى تصحيحٍ ، إنما هي الرغبةُ في " اْلْغَلَبَةِ " والانتصارِ على طولِ الخطِ ، حتى صارت الغلبةُ والرغبةُ في الانتصارِ أو التفوقِ على الغيرِ البابَ السحري الذي يدخلُ منه المجتمعُ في صراعٍ دائمٍ لا يتوقفُ ولا يهدأُ ، حتى يصلَ في النهايةِ إلى لحظةِ الانفجارِ ويبدو أنه بالفعلِ قد وصلَ وانفجرَ .
والمجتمعاتُ العربيةُ قد تفشت فيها الفرديةُ وحبُ الذاتِ ، حتى تلاشتْ فيها فضيلةُ " الإيثارِ " التي مِن شأنِها تذوبُ الذاتُ في ذاتِ الغيرِ ، وتذوبُ النفسُ في نفوسِ الآخرينَ حتى ينصهرَ المجتمعُ به ( أي الإيثارَ ) انصهارًا يبدو مِن خلالِه أنه جسدٌ واحدٌ لا ينفكُ منه عضوٌ عن سائرِ أعضائِه ، فتدخلُ السعادةُ حيثُ التناغُمُ والإنسجامُ بين سائرِ تلك الأعضاءِ وبين ذلك الكيانِ المُسمَى جسدًا ، والذي هو في حقيقتِه كيانُ مجتمعٍ أو كيانُ أمةٍ .
ومِن هنا ، لم يكن تشبيه الأمةِ أو المجتمعِ بالجسدِ الواحدِ في قولِ النبي اعتباطيًا أبدًا ، حيثُ ما يتداعى له سائرُ الجسدِ مِن إصابةٍ أصابتْ عضوًا فيه ، إنما ينسحبُ أيضًا على المجتمعِ كلِه فيتداعى لما يتداعى له أحدُ أفرادِه .
والإشكاليةُ التي تواجهُ أمتِنا ومجتمعاتِنا العربيةِ بحقٍ ، إنما تكمنُ في تلك " الغَلَبةِ " التي هي حبُ الذاتِ والرغبةُ في قهرِ الغيرِ الذي هو في أساسِه عضوًا آخرَ رفيقًا للقاهرِ في جسدٍ واحدٍ .. ذلك أنها غريزةٌ قاتلةٌ لكلِ الفضائلِ التي منها يتكونُ معنى الإسلامِ وبها يُكتملُ وصفُ مسلم ، ومِن ثم ينتفي الإسلامُ ويندرُ وجودُ مسلمينَ في المجتمعِ المسمى مجتمعًا مسلمًا وإن تسموا مسلمينَ ، فينفصلُ المجتمعُ بالتبعيةِ عن معيةِ اللهِ فيشقى ، وتكونُ الكارثةُ والمصيبةُ العظمى حينئذٍ حيثُ أوكله اللهُ إلى نفسِه وإلى أعمالِ أهلِه فيفقدوا رحماتِ اللهِ وغوثَه حيثُ لم يرحموا هم أنفسَهم ( فالراحمونَ يرحمهمُ اللهُ ) في قولِ النبي صلى اللهُ عليه وسلم .. ذلك أن غريزةَ " الغَلَبَةِ " تُهدَرُ بها حقوقٌ ، وتضيعُ بها قيمٌ ، وتنتفي بها الفضائلُ الجالبةُ للسعادةِ ، كما أنها كاسبةٌ لبُغضِ الآخرِ وكرهِه .. وهي في المجملِ تصنعُ في المجتمعِ عشوائيةً في مقابلِ التنظيمِ ، وضجيجًا في مقابلِ الهدوءِ ، وتنافرًا في مقابلِ التناغمِ والإنسجامِ بين أفرادِ المجتمعِ .
وغريزةُ " اْلْغَلَبَةُ " أو تلك النزعةُ البغيضةُ في مجتمعاتِنا الإسلاميةِ والعربيةِ منها خاصةً ، لها صورٌ عديدةٌ قد تكوِّنَ في مجملِها صورةً فوتوغرافيةً شاملةً لوجودِ المجتمعِ نفسه بما هو عليه من نهجِ حياةٍ ، فتراها في صورةِ الموظفِ أو العاملِ الذي لا يروقَ له سوى أن يقهرَ العميلَ " صاحبَ الخدمةِ " ، وكأنه يتلذذ بذلك ويستمد منه أنفاسَهُ الكاسبةُ له الحياة .. وقد تراها في صورةِ قائدِ مركبةٍ أيٍّ كان نوعُها ، غيرَ أن رعونتَهُ وسفهَهُ جعله لا يرى في المجتمعِ سوى نفسِهِ فاختزلَ حقوقَ الآخرينَ من حولِه فيما يراه حقا له وإن كان غيرَ مشروعًا كسرعةٍ زائدةٍ جنونيةٍ ، وكانبعاثِ صوتٍ مزعجٍ ومفزعٍ ، فضلًا عن تلوثِ البيئةِ بأدخنةٍ خانقةٍ ، فصارَ الأحمقُ قاهرًا لغيرِه بنزعةِ الغلبةِ عنده المؤديةُ هي إلى اللامبالاةِ .. وكذلك تراها في التصلبِ الشديدِ في الرأي لمجردِ إثباتِ الذاتِ وليس لإظهارِ حقٍ أو اتباعِه .. كما تراها في صورةِ تاجرٍ يريدُ أن يفترسَكَ افتراسًا فيرفعُ مِن قيمةِ سلعتِه الرديئةِ جشعًا وطمعًا دونما التفاتةٍ لرحمةٍ أو حقٍ ، ثم يدجُلُ عليك بقسمٍ أنه يبيعكَ سلعتَهُ كما اشتراها فلا تجد بدًا من الحرجِ والقبولِ أمامَ قسمِه وهو فيه كاذبٌ .. وقد تجدَ الغلبةَ في صورةِ فتاةٍ على قارعةِ طريقٍ اجتهدتْ بكل فنٍ وزينةٍ أن تجعلَ من أنوثتِها مغناطيسًا جاذبًا لعيونِ الرجالِ من حولِها وغرائزِهِم .. فضلًا عن صورِ الاحتفالاتِ بضجيجِها الدالُ على غيابِ عقلِ مجتمعاتِنا العربيةِ سواءُ كان احتفالُ عُرسٍ أو كان احتفالُ مآتمٍ .. أما صورةُ الغلبةِ التي أدمت مجتمعَنا العربي حتى أنهكته أيما إنهاكٍ ، إنما تتجلى في استخدامِ القوانينِ الوضعيةِ من كلا الزوجينِ لقهرِ أحدِهما الآخرَ لمجردِ خلافاتٍ تافهةٍ قد تعرَّضَ لها قديمًا أباؤنا وأجدادُنا دون أن يكون لها ذلك الأثرِ في تفككِ الأسرةِ والمجتمعِ وانحلالِهِ إلى حدِ الإنهيارِ كما نراه اليوم ، دونما مراعاةٍ لحقِ الأبناءِ والمجتمعِ والأمةِ ، بينما قد وُضعتْ تلك القوانينُ مِن قِبلِ شيطانٍ رجيمٍ لإفشالِ الأمةِ والمجتمعِ المسلمِ .. وهكذا تتعددُ الصورُ وتتعددُ إلى حدِ التطابقِ مع نمطِ حياةِ مجتمعِنا العربي بكامِلِه نمطًا شموليًا .
ومِن مَضَارِ " الغَلَبَةِ أو الانتهازيةِ ، أنها إذا تفشت في المجتمعِ الإسلامي فإنها تفسدُهُ وتذهب عنه سمته الإسلاميةَ التي أرادها اللهُ حياةً لعبادِهِ المؤمنينَ وفق منهجٍ وضعه لهم ليسيروا عليه ، فإن هم خالفوه كانت المخالفةُ بالضرورةِ لصالحِ الشيطانِ ومنهجِهِ مما يُخرجهم بالتبعيةِ عن ولايةِ اللهِ عز وجل ، والخارجُ عن ولايةِ اللهِ عز وجل إنما يوكلُهُ اللهُ إلى نفسِهِ وإلى شيطانِه فيشقى ، مما يعني بالضرورةِ أن نمطَ الحياةِ الاجتماعيةِ يكونُ له الأثرُ البالغُ في القربِ من اللهِ ، أو في البُعدِ عنه حيثُ يقبعُ الشيطانُ الرجيمِ ، بقدرِ ما إذا كان المنهجُ المتبعُ هو منهجُ اللهِ أو منهجُ الشيطانِ ، فيمتدُ الأثرُ بالتالي إلى الأمةِ فيما هي عليه من قوةٍ وعزةٍ ، أو من ضعفٍ وهوان .. كما للغلبةِ مضارُها على الفردِ الغالبِ نفسه كما هو الحالُ على الفردِ المغلوبِ في حالِ تفشي تلك الرذيلةِ ، إذ كل فردٍ في المجتمعِ هو خادمٌ ومخدومٌ ، فإن أساءَ الخدمةَ فيما هو فيه خادمٌ ، سِيئتْ له الخدمةُ فيما هو فيه مخدومٌ ، فيتنكدُ كما نَكَّدَ هو غيرَه ويصيرُ الغالبُ مغلوبًا ، ومِن هنا تنعكسُ الصورةُ الكليةُ لنكدِ وكدَرِ المجتمعِ بأسرِه ، وهو عينُ ما نراهُ في مجتمعاتِنا الإسلاميةِ والعربيةِ منها خاصةً ، بينما في مقابلِ ذلك لو أن الصورةَ انعكستْ وآثرَ الفردُ غيرَه دونَ نفسِه حينما يكونُ فاعلًا ، فإن الإيثارَ يتحولُ له حينَ يكونُ مفعولًا معه أو مفعولًا به .
والرذائلُ إنما تحلُ في المجتمعِ أينما انتفت فيه الفضائلُ ، والعكسُ صحيحٌ في تطبيقِ هذه القاعدةِ ، حيث تحلُ في المجتمعِ الفضائلُ أينما انتفت فيه الرذائلُ ، ولما كان الأمرُ كذلك ، فإن المجتمعَ الذي تسودُ فيه الشريعةُ الإسلاميةُ كما صاغها اللهُ لعبادِهِ المؤمنينَ إنما يخلو تمامًا مِن رذيلةِ " الغَلَبَةِ " هذه ، حيثُ حثَّ الإسلامُ على فضيلةِ " الإيثارِ " التي ميزت المجتمعَ الإسلامي في المدينةِ عن سائرِ مجتمعاتِ الأممِ في سائرِ المعمورةِ ، وهي تتجلى في عبادةِ الزكاةِ والصدقةِ وعتقِ الرقبةِ ، تلك العباداتِ التي فيها معنى التخلي والتدريبِ على تلك الفضيلةِ " الإيثار " ، كما حث على غضِ البصرِ وخفضِ الصوتِ إلى حدِ خفوتِهِ في الصلاةِ ، وأعلن أن أنكرَ الأصواتِ إنما هو صوتُ الحَميرِ لِئلا يكونَ في المجتمعِ ضجيجًا قط ، كما حث الإسلامُ المسلمَ على المشي في الأرضِ هونًا ( لا حفاظًا على الأرضِ فإنَّ الأرضَ قويةً ، وإنما حفاظًا على الغيْرِ الذي هو العضو الآخرَ في جسدِ الأمةِ ) ، كما حثهُ ألَّا يمشي فيها مرحًا ، وألَا يظن نفسَه في الكونِ وحده دون غيرِه فيُعرِّي صدرَه كبلطجيٍ طائحٍ غيرَ عابئٍ بمَنْ حوله ، كما جاء نبيُ الإسلامِ بقولِه العظيمِ : " إنما بعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاقِ " ، فإذا ما اتُبعتْ تعاليمُ الإسلامِ في مجتمعٍ يحملُ اسمَه ، فإن صورَ الغَلَبَةِ فيه تنحسرُ وتندثرُ بل وتنعدلُ ، ويصيرُ المجتمعُ حينئذٍ مجتمعًا سعيدًا لأنه أصبح وأمسى في معيةِ الله .
ولما كانت أيُ صورةٍ كليةٍ تتكونُ مكوناتِها مِن صورٍ جزئيةٍ متعددةٍ ، فإن زوالَ الصورةِ الكليةِ السيئةِ في المجتمعِ الإسلامي يكونُ رهنَ زوالِ تلك المكوناتِ لها مِن صورٍ جزئيةٍ لكلِ فردٍ فيه ولا تزولُ بغيرِ ذلك .. فمَن أرادَ زوالَ صورةَ مجتمعِه الكليةَ والسيئةَ هي في نظرِه ، فليس عليه سوى أن يجتهدَ في زوالِ صورتِه الجزئيةِ السيئةِ أولًا وهو يتعاملُ مع غيرِه ، إن كان يريدُ لمجتمعِهِ السلامةَ ، ولأمتِه العزةَ والقوةَ والمنعةَ مِنَ اللهِ .. فلا فسادَ في حياةٍ دونما يدٍ ممَنْ يحيونها . يقولُ اللهُ عز وجل :
{ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } ، ويقول .
{ ظَهَرَ اْلْفَسَادُ فِي اْلْبَرِّ وَاْلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي اْلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ اْلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }
ولقد تكرر قولُه تعالى للتأكيدِ ، أنْ لا يُصيبَ المرءِ مِن سيئةٍ إلَّا بما كسبتْ يدُهُ ، فيقولُ في غيرِ آيةٍ :
{ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيَّئَةُ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ }
إذن ، فإنَّ العطبَ الاجتماعي يكونُ سببًا أكيدًا ومباشرًا في إفشالِ أمةٍ ، وأن الغَلَبَةَ التي يسعى إليها كلُ فردٍ في مجتمعٍ إنما هي في حقيقتِها إنهزاميةٌ للفردِ وللمجتمعِ على السواءِ ، وأنه دائمًا ما يكونُ في الإيثارِ وإنكارِ الذاتِ ومراعاةِ حقِ الغيرِ السعادةُ كلُ السعادةِ ، وفي العدلِ وأداءِ الحقوقِ على أكملِ وجهها الإنصافُ كلُ الإنصافِ . وفي النهايةِ فإن المثلَ المصري الحكيم يقول :
" يا بختْ مَن باتَ مظلومًا ولم يبتْ ظالِمًا "
ياسر شلبي محمود
كاتبٌ ومفكر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق