..............
أحمد علي صدقي/ المغرب
................
غير عاداتك تغير حياتك:
كانت القوة قديما في أيادي الفراعنة والسلاطين فقط. فهم المخصصون فيها. يرثونها عن آبائهم وأجدادهم. فكانت السلطة محدودة ولن يستطيع أي أحد غيرهم أن يصبح قويا إلا بهذا الإرث. وفي عصر الصناعة اصبحت القوة في متناول الكثيرين من أرباب العمل واصحاب المعامل. فأصبحوا هم من يقررون وهم من يسيرون الأمور. لكن بعد عصر انتشار وسائل الإعلام انتقلت هذه القوة الى من يملكون هذه الوسائل من إذاعات و صحف و مطبعات. فزاد عدد الأقوياء أكثر من ذي قبل. أصبح مالكو الصحف ودور النشر و القنوات هم من يوجهون الناس وهم من يحللون ويحرمون. ثم جاء عصر الأنترنت فتدمقرطت المعلومة وأصبحت في متناول الجميع.. وهنا أخذت القوة منحنا آخر وإتجاها مخالفا لما كانت عليه فأصبح من الممكن أن يمتلكها كل ذي عزيمة، ولا فرق بين من أصله فقير ولا من هو ذو جاه..
السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا كلنا اليوم نملك المعلومة و مصادرها متاحة لنا جميعا وما يتقوى منا الا البعض والباقي لا زال راكدا راقادا يردد معلوماته الشاملة لكل المجالات في كل المناسبات. تجده عالما و عارفا لكل شيء ويزود بالمعلومات من سأله عنها ومن لم يسأله؟
إجابة على هذا السؤال: أقول أن المعلومة لوحدها لا تقوي صاحبها. وأن العلم لوحده لا يقوي حامله. وأن المعرفة لوحدها محدودة القوة.. فلا بد للعلم و للمعرفة وللمعلومة من التَّفعيل. فبغيره تبقى المعلومة والعلم والمعرفة مجرد نظريات أو مجرد كلام لا ينتج قوة ولا يغير مسار انسان. نعم العلم والمعلومة والمعرفة بصفة عامة هي وسائل ناجعة يمكن بها تعبد الطريق بسهولة للسير نحو القوة. لكل من تغيا التغيير الشامل نحو الأفضل. والشاهد على هذا ما نراه مع شباب دفعهم الطموح للافضل فوصلوا الى قمة الشهرة و المال والقوة. انظر لمن أسس شركة إبل Apple ومن أنشأ شركة أمازون Amazone ومن ابتكر الفيسبوك facebook و من له براءة اليوتوب Youtube و من اخترع الزوم Zoom للقاءات عن بعد. كل هؤلاء كانوا عاديين ضعفاء فأصبحوا أقوياء غير عاديين. فقط لأنهم فعَّلوا معلوماتهم واجتهدوا ولم يستمعوا لحوارات انفسهم السلبية فقوتهم معلوماتهم و التي هي متاحة لنا جميعا ونعرف كيف نصل اليها. لكن نحن امتلكنا المعلومة مثلهم ورضينا فقط بامتلاكها وتقاعسنا في فضاء راحتنا فما نفعتنا معلوماتنا بشيء.
وكما حدث مع كل التحولات القديمة فهو يحدث اليوم مع ما وقع في عصرنا الحاضر وخصوصا مع أواخر سنة 2019. فهذه السنة تعتبر نقطة تغيير جذري أثَّر أو تأثرت من جراءه كل المجالات، السياسية منها والمعاملاتية والتجارية و الخدماتية. تغيير شامل مس العالم بأكمله. اليس كذلك؟ فهذا ما أحسسه الجميع رضي أم كره.
يبقى السؤال: كيف لنا أن نستخلص العبرة ممن تغيروا اليوم رغم ما يحدث ورغم كل الاكراهات التي تقف حجرة عثرة في طريق العالم واجتازوها؟ كيف لنا أن نتعايش مع ما يحصل ولا نتقاعس بل نكد ونجتهد لنتغير ونساير هذا التغيير العالمي ونصمد في وجهه؟
فالتغيير ضروري و ممكن، ولكن دائما يتطلب شروطا لا بد من الأخذ بها. وأول هذه الشروط وفي كل الاحوال هو تغيير النفس. فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. وتغيير النفس يحتاج الى نَفَسٍ وإلى مشقة وإلى جهد جهيد.. وهذه أشياء تكرهها النفوس وتمقتها. فهي تحب الكسل و تدافع عن منطقة راحتها فلا تترك صاحبها يملي عليها شروطه. فليعلم الجميع أن التغيير حرب مع النفس. وأن التغيير اشمئزاز لها ومخاصمتها. وأن التغيير محنة لها تحرمها الراحة و لا تعطيها ما تحبه من بقاء على ما هي عليه من خمول تحب الاستمرار فيه. التغيير استنفاذ طاقة قبل كسب أخرى. التغيير يُنَكِّد على النفس عيشها. فكلما أراد الانسان أن يغير مما هو فيه تجد نفسه تحاوره حوارات تجعله يشك في قدرته على ما عزم القيام به فيستسلم لها و يظل يلوك تساؤلاته ناصتا لما تحدثه به:
- لماذا تتعب نفسك و العالم أشرف على نهايته؟
- الا ترى أن الحياة لم تعد تطاق وأنها أصبحت غير صالحة للعيش؟
- أنظر كيف سادت التفرقة بين الناس. فحتى أهلك لا يطيقون قربك!
- ألا ترى أن الركب قد فاتك و أنك أصبحت مهمولا عند الكل. ثم إنك ضعيف ثقافة و علما فماذا بوسعك فعله؟
- أنت غير مرغوب فيك في حيك وتريد أن تغير العالم!
- الزم حدودك فأنت لا تساوي شيئا عند أهلك ولاجيرانك وربما حتى عند زوجتك وعيالك. أنت انسان تافه يغلبك الزمان فارضَ بما أنت فيه ولا تنشر أوساخك العقلية على حافة طرقات عقول هي انضج من عقلك و لم تطمح يوما فيما تطمح اليه أنت من مستحيل. الخ...
هذه حوارات محبطة و قاتلة تدور في خلداتنا عندما نريد تغيير أنفسنا من حالة ضعيفة كسولة لا تتطلب بدل أي جهد الى أخرى غرضها التغيير وفسخ لباس النمطية وارتداء بدلة الجهد و الكد العضلي والذهني. كثير منا يستأنس بالسماع لهذه النفس الكسولة و يتركها تستولي عليه بأفكارها ويترك لها المجال لتنويمها المغناطيسي بحواراتها هذه، فيخلذ لدفئها و سكونها وطمأنينتها، فتقر عينه بما هو فيه، و يقبع في فقر ذهني ومادي، راض بشبه راحة تظل تنخر دواخله كما تنخر الأرضة الخشب. يعيش زائدا على الدنيا ويموت في غفلة لا من انتبه لموته ولا لحياته...
الله المستعان...
أحمد علي صدقي/ المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق