....................
ياسر شلبي محمود
...................
الإجحافُ البينُ .. والبُعدُ الخفي
أبدًا ما كان لهذه الأمةِ وهي متصلةٌ بالسماءِ أن تكونَ غبيةً ، أو أن يكونَ العبطُ سمةً لها ، بل كان يجبُ أن تكونَ كما قال نبيُها : " المؤمنُ كيسٌ فطنٌ " ، فتفطنُ لكلِ صغيرةٍ وكبيرةٍ ، وتكونُ لديها كياسةٌ في كلِ شأنِها ، وما كان لها أبدًا أن تنخدعَ في أمرٍ مِن الأمورِ وهي في معيةِ ربَّها .
وما انخدعتْ فيهِ الأمةُ وكان فيه هلاكُها ، إنما هو " الجَرحُ والتعديلُ " ـ ولا نسميهِ علمًا ـ وما صاحَبَهُ مِن رواياتٍ مسندةٍ إلى رِجَالِهِ الموثوقُ فيهِم بغيرَ علمٍ لأن النوايا لا يعلمُها إلَّا اللهُ عز وجل ، ولا يجوزُ لمخلوقٍ أن يدعي علمه بشخصٍ مهما كان ظاهرُ هذا الشخصِ لأن في ذلك تزكيةٌ على اللهِ وهو ما آباهُ اللهُ في كتابِه المحكمِ وآباهُ تَبَعًا لذلك نبيُه الكريمُ ، وهذا ما ينفي صفةَ العلمِ عما سُميَ زورًا وبهتانًا " علم الجرحِ والتعديل " ، فضلًا عن استحالةِ التعرفِ على حقيقةِ شخصٍ بدقةٍ متناهيةٍ لمجردِ جمع معلوماتٍ عنه وهو قد مات منذ عشراتِ السنينَ ، بينما في الحقِ والحقيقةِ قد لا يعرفُ أخٌ أخاهُ حقَ معرفتِه وهو يعيشُ معه في بيتٍ واحدٍ ، فما بالُكَ بمعرفةِ الجارِ وجارِ الجارِ إلى سابعِ جارٍ وما يُقاسُ على ذلك في شتاتِ الدولِ والأمصارِ ، فضلًا عن التزامِ الأدبِ والتأدُبِ حينَ إبداءِ الرأي في الغيرِ فتُجافَى به الحقيقةُ مما يجعل التمسكَ بعلميةِ الجرح والتعديلِ وصحتِه فيه إجحافٌ كبيرٌ وجهلٌ بالبعدِ الخفي لعملِ الشيطانِ وحزبِه .. وفي الحقيقةِ ، نحنُ ننفي عن علمِ النفسِ ذاتُه دقتَه وعلميتَه رغم أنه عصارةَ فكرِ المفكرينَ ورغم ما طرأ على الفكرِ ونظرياتِه مِن تطورٍ ، فما البالُ إذن والحالُ في " الجرحِ والتعديلِ " كان جمعَ أخبارٍ عن أُناسٍ هلكوا ، بصورةٍ بدائيةٍ وساذجةٍ مقارنةً بوصفِه علمًا .
ولقد استوقفتني بشدةٍ " شروطُ الحديثِ الصحيحِ " التي اعتمدها العلماءُ لقبولِ روايةٍ ما والوثوقِ بها ، وتتلخصُ في خمسةِ شروطٍ :
1 ـ إتصال السند .
2 ـ عدالةُ الراوي .
3 ـ إتقانُ الحفظِ .
4 ـ خلوهُ من الشذوذِ .. والمقصودُ به : مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه .
5 ـ خلوهُ من العلةِ .. وهي سببٌ خفيٌ يعرفه الحُفاظُ الكبار .
خمسة شروطٍ طامسةٌ لملكةِ التفكيرِ ، موقفةٌ لإعمالِ العقلِ ، طافئةٌ لنورِ البصيرةِ ، قاتلةٌ لاستشرافِ قلبٍ ، مما أدخلَ الأمةَ في نفقٍ مظلمٍ لاتهتدي إلَّا بإشارةٍ من خلفها مِن عدوٍ مبينٍ .. إذ ما الذي يمنع ـ فضلًا عن استحالةِ التأكدِ من العدالةِ وإتقانِ الحفظِ ـ أن تُسندَ الروايةُ المؤلفةُ إلى سندٍ متصلٍ ولقد عُلِمَ الإتصالُ في الجرحِ والتعديلِ وفي علمِ السندِ ، كما في الإمكانِ أن تُسندَ إلى رواةٍ عُدولٍ وإلى رواةٍ يتميزونَ بإتقانِ الحفظِ وفق تلك العلومِ الناقصةِ التي لا يمكنُ بحالٍ أن تبلغَ مبلغَ الدقةِ والكمالِ لمخالفتِها المنهج العلمي الصحيحِ ، ولاستحالةِ العلمِ بخبايا الناسِ وخفايا نفوسِهم ، كما يمكنُ أيضًا إخلاءُ الروايةِ المؤلَّفةِ مِن الشذوذِ ومن العلةِ وفقَ ما تقدمَ لديهم مِن علمٍ بتلك الشروطِ ، وبخاصةٍ إذا ما كانت عمليةُ التأليفِ عمليةٌ هادئةٌ بعلمِ الدولةِ فيما يُعرفُ " بالموائماتِ السياسيةِ " لكسبِ مصلحةٍ ما ، مما جعلَ المنهجَ العلمي الذي تسيرُ عليه الأمةُ من بدايتِه منهجًا ضلاليًا يبعدُ بها عن ملكةِ التفكيرِ والاجتهادِ والإبداعِ والتبصرةِ ، كما يبعدُ بها عن الكياسةِ والفطنةِ اللتانِ هما مكتسبتانِ طبيعيتانِ عن الإيمانِ الصادقِ القوي ، إذ أن الفطرةَ السليمةَ تقتضي تمحيصَ الخبرَ ، وبحثَهُ تحت مجهرِ العقلِ قبل البحثِ عن شخصيةِ ناقلِه إن كان إلى ذلك سبيلٌ قويم .
أبدًا لم يكن كلامُنا هذا اعتباطيًا ، ولا هو بالكلامِ المرسلِ دونما دليلٍ ، إذ أنه معطوفٌ على نتائجِ بحثنا في " لحظاتٍ حاسمةٍ " وما استخلصناه فيهِ من استحالةِ صحةِ بعض الرواياتِ الصحيحةِ وفقَ التراثِ ، وعلى ما قدمناهُ في " أبعادِ المؤامرةِ " ، و" الدجالِ في القرآنِ الكريم " وغيرِ ذلك كثيرٌ بما يؤكدُ التناقضَ بين صحةِ الرواياتِ وبين الحقيقةِ ، مما يلزم بالضرورةِ قراءةُ ما أشرنا إليه من مقالاتِ لأن فها دليلُ دعوانا ، كما أنه معطوفٌ كذلك على واقعِ الأمةِ وحياتِها وهو واقعٌ مريرٌ مهينٌ إذ يستوجبُ استقراءَ لوحتَه جيدًا ، إذ طرحنا هذا السؤالِ المهم في تمهيدِ " لحظات حاسمة " : هل يُمكنُ لأمةٍ مِنَ الأممِ سارتْ على نهجِها الصحيحِ المرسومِ لها أن تتردى وهي كذلك ؟ ، بل .. هل يُمكنُ لها وهي قد حادتْ عن الطريقِ القويمةِ أن تظلَ في العُلا متربعةً على عرشِ الأممِ ؟ .. بالطلعِ " لا " ، وألفُ " لا " .. إنَّ واقعَ أمتِنا المريرِ يُنبئُ بسوءِ منهجها العلمي المُستمدُ مِنَ الشرعِ ، ومِن ثمَّ الفكري والاستراتيجي في واقعِ حياتِها العمليةِ ، إذ أن فكرِها الاستراتيجي الحديث ـ كما قدمتُ في " الخيطِ الرفيعِ " ـ إنما هو مبنيٌ على حالاتِ الانتظارِ الواردةِ في الرواياتِ المسندةِ إلى رجالاتِ " الجرحِ والتعديلِ " ، فحالَ بينها وبين فعل ما يجبُ فعلِه فيما يرضاهُ اللهُ منها ويريدُه لها ، فأوكلتْ أمرَها إلى أقدارٍ قادمةٍ آخرَ الزمانِ مع قيامِ الساعةِ ! .. وياللعجبِ ، إذ ما فائدةُ نصرٍ لا دخلَ لها فيه يأتي وقيامِ الساعةِ .؟ ، وما هي قيمةُ الابتلاءِ والعملِ بالتكليفِ لأداءِ أمانتِه مع تلك القدريةِ .؟
إن علمَ " الجرحِ والتعديلِ " الذي لم يعلم أحدٌ مَن هو أولَ مَن أنشأهُ يقينًا ، ثم علم الحديثِ والسند ، إنما هما معًا ما عاقا عقلَ هذهِ الأمةِ في انتاجِ نهضةٍ حقيقيةٍ فكريةٍ وعلميةٍ ، وتفقُهٍ في دينِ اللهِ ، بل على العكسِ من ذلك فقد أدخلاها في غياباتِ الجهلِ باتباعِ الأساطيرِ وجعلِها عقائدَ وجزءًا من أصلِ الدينِ ، وما كان لهذه الأمةِ أن تتبعَ عالمًا أو حتى علماءَ وجعلْ أرائهم دينًا ، إذ مِنَ المعروفِ أن أول من دعا إلى ضرورةِ الأخذِ بالسندِ ، إنما هو " الزهري " الذي كان مقربًا من الدولةِ الأمويةِ التي كانت تغازلُ " الشيعةَ " لإتقاءِ شرِهِم ، وكم من مقربٍ لخليفةٍ أمويٍ كان أو عباسيٍ ، كان شيعيًا أو رجلَ شيعةٍ ومن ثم فإن علاقةَ السببيةِ متوفرةٌ بين المقربِ أيًا كان وبين القوى الخفيةِ ، ولا يخفي طعنُ إبراهيم ابن الوليدِ على شخصيةِ الزهري " ، إلَّا أننا لا نتكلمُ عن الطعنِ في الشخصياتِ لأنه أيضًا لا يجوزُ منا لاستحالةِ دقتِه وإن جازَ نسبيًا لمعاصرِ المطعونِ عليه ، فقد يكون الرجلُ خائنًا متخفيًا كما قد يكون صادقًا لكنه مخطئًا وهذا أمرٌ واردٌ لبشريتِه ، وإنما لنا فقط النتائج الفاسدة التي نجنيها نحن متأخري هذه الأمةِ والتي هي معبرةٌ عن فسادِ مقدماتِها عند أوائلِها ، والتي كانت نتاجَ أراءٍ لبشرٍ يصيبونَ ويخطؤونَ وليست رسائلَ إلهيةً ولا هي أوامرَ رسولٍ .
إنَّ منطقةَ الخطأِ في الفهمِ التي نريدُ دخولها لتصحيحِ المفاهيمِ فيها ههنا ، إنما هو توهمُ الناسِ أن الطعنَ في دقةِ " الجرح والتعديل " ، أو في صحةِ رواياتٍ جرى الاعتقادُ على صحتِها ، يكونُ فيه طعنٌ بالتالي على القرآنِ الكريمِ وعلى فرائضِ الإسلامِ في كيفيةِ أدائِها ، وما نرى ذلك إلَّا نتاجَ جهلٍ بالإسلامِ وحقيقةِ سنةِ نبيهِ ، إذ أن الإسلامَ هو القرآنُ نفسه ، وأن سنةَ نبيِه وسيرتَهُ إنما هي ترجمةُ هذا القرآنِ إلى واقعٍ عمليٍ سواءٌ بالمجملِ فيهِ ، أو بالتفاصيلِ التي هي بتعليمٍ من جبريلَ عليه السلامُ للنبي صلى اللهُ عليه وسلم ، ولما كانت رسالةُ الإسلامِ ـ سواءٌ المكتوبةُ بالنصِ القرآني أو المبينةُ والموضَحةُ والشارحةُ بواسطةِ أمين الوحي ـ تترجمُ عمليًا لأن الإسلامَ عملٌ وليس نصًا يُحفظُ في كهوفِ الصفحاتِ ، فإنها بذلك قد اكتسبت قوةَ بقائِها واستمرارِها في الأمةِ تواترًا حيثُ تواصلُ الأجيالِ بقاعدةٍ عريضةٍ ، فتكونُ راسخةً كالجبالٍ لا تتزحزحُ إلَّا بفتنةٍ ، لأن العملَ الذي يُنقلُ تواترًا أصلبُ في البقاءِ مِن نقلِه عبرَ الصحفِ ، ومن هنا كانت الحاجةُ ماسةً في تدبيرِ الشيطانِ وحزبِه إلى وجودِ رواياتٍ في نصوصٍ مكتوبةٍ لقلقلةِ رسوخِ هذا التواترِ وكسرِه ، ولقطعِ استمرارِه وبقائِه كذلك ، بدليلِ أن غلقَ المساجدِ ، والنداءَ " صلوا في رحالكم " بدلًا من " حي على الصلاةِ " ، ثم التباعدَ بين المصلينَ وهي أمورٌ ضالةٌ وباطلةٌ ، قد كانت أمورًا طارئةً ومستغربةً وجديدةً على عقلِ الأمةِ وعلى نفسِها لأنها ليست من العملِ المتواترِ فيها ، وإنما قُطِعَ بها التواترُ بموجبِ تلك الرواياتِ الشيطانيةِ لإنفاذِ فتنةٍ . وأبدًا لم يكن مدحَ المستشرقينَ ومفكري الغربَ في " الجرحِ والتعديلِ " إلَّا دليلَ صدقِنا فيما ذهبنا إليه ، لأنهم على مر العصورِ كانوا الآلةَ الإعلاميةَ للقوى الخفيةِ ، وإنما فعلوا ذلك لخداعِنا وللإيقاعِ بنا في شَرَكِ فتنتهم ، ولا يجبُ أن نستمدَ ثقتَنا في تراثِنا مِن أقوالِ أعدائِنا ، كما يجبُ تصحيحُ الفهمِ الخاطئِ بأن القرآنَ نُقِلَ عن طريقِ رجالاتِ " الجرحِ والتعديلِ " ، وبنفس كيفيةِ نقلِ رواياتِ الحديثِ لأن في ذلك إجحافٌ كبيرٌ عن الحقيقةِ ، كما فيه عدم دقةٍ لترددِ القول دونَ علمٍ ، إذ أن حفظَ القرآن كمصحفٍ يحوي كلامَ اللهِ شئٌ آخرَ إذ هو محفوظٌ أيضًا في الصدورِ تواترًا وبقاعدةٍ عريضةٍ مما يُحالُ بين إمكانةِ التلاعبِ فيه ، وإنما فقط تم التلاعب عن طريقِ رجالاتِ الجرحِ والتعديلِ في فهمِ معانيهِ وفي طرقِ قراءتِه مما أسفرَ بالفعلِ عن وجودِ قراءاتٍ شاذةٍ نستنكرُها ، كما أن طباعةَ المصاحفِ دومًا ما تقومُ بها الدولةُ والمؤسساتِ الدينيةِ فيها ، فضلًا عن كونِ الشيطانِ ليس مخولًا في تحريفِ لفظِ القرآنِ والتعرضِ له طالما بقيَ إسلامٌ وبقيَ مسلمون لأن إنزالَ فتنِه لا تكون إلَّا بإرادةٍ منَ اللهِ عز وجل .
إن بعضَ الرواياتِ المكتوبةِ في الصحيحينِ أو في غيرهما ، إنما هي وحدها القادرةُ على تحويلِ مسارِ الإسلامِ الصحيحِ بقطعِ التواترِ بها ، إلى إسلامٍ لم ينزل به أمينُ الوحي جبريل ، ولم يبلغه لنا نبيُنا الكريم ، فلقد بدلنا موقوفًا وعطلنا فرائضًا وما جاءَ الإسلامُ ليبيحَ تبديلًا أو يُجيزَ تعطيلًا قط .. ونحنُ إذ نرى ذلك ونؤكدُ عليه ، فإننا لا نرى معه رميَ التراثَ بالكليةِ في البحرِ أو الاستغناءَ عنه كاملًا كما يفعلُ غييرُنا لمرضٍ في قلبِه ، وإنما نحنُ نرفضُ فقط ما كان فيه قَصْمٌ لظهرِ أمتِنا ، لأنه حينئذٍ يتنافى هذا المرفوضُ نفيًا تامًا مع الحقِ مما يجعله بالضرورةِ باطلًا ، فنرفضُ كلَ ما من شأنِه أن ينحى بالأمةِ منحى الذلِ والهوانِ كحالةِ الانتظارِ لفوارسٍ قدريينَ ولنصرٍ قدري ، أو ما مِن شأنِه التعميةُ عن فتنةِ الدجالِ الناخرةِ في جسدِ الأمةِ منذ مهدِها وتم بها التبديلُ والتحريفُ في الدينِ ، أو كان مِن شأنِه تكريسِ الطائفيةِ في المجتمعِ المسلمِ وتكوينِ الجماعاتِ المختلفةِ عن سائرِ الأمةِ في سمتِها وفي شكلِها وغير ذلك كثير ، ثم مِن بعد ذلك نرضى بكلِ تراثِنا الإسلامي بما فيه مِن فضائلِ الأعمالِ والأخلاقِ وإن كان ـ في الفرضِ الجدلي ـ مكذوبا على النبي للتدليسِ علينا فيما نرفضه ، مما يجعلُ عملنا هذا تنقيةٌ للسنةِ وليس رفضًا لها .. ونحنُ إذ نرى ذلك ، فإنَّا نرى فيه إنصافًا وتوازنًا ، ومَن لم يرضى بهِ فإنه يكونُ غيرَ منضبطٍ وغيرَ متزنٍ وفي عقلِه خللٌ ويكونُ بحقٍ مجحفًا ، إذ بموقفِه هذا يكونُ قد ساعدَ على ضياعِ الدينِ وعلى ذهابِ ريحِ أمتِه ، لأنه بذلك الفكرِ الباطلِ فإنَّ الساعةَ تقومُ والحالُ هو الحالُ ولن تقومَ للأمةِ قائمةُ ، ومِن ثمَّ كان إتجاهُنا الفكري ، وما نحونا مِن منحى .
ياسر شلبي محمود
كاتب ومفكر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق