...........
الهادي خليفة الصويعي
............


حب ليس للبيع
انتشرت الاخبار في المناطق المحيطة بطرابلس بما فعل الايطاليون الذين قدموا على بوارجهم يحملون الموت حيثما حلوا, فقد رجموا المدينة بالمدفعية من البحر قبل أن يصلوا الى الشاطيء وينزلوا عساكرهم على تراب ليبيا, ورغم عدم التكافؤ في ميزان القوة ورغم الدمار الذي حل بالمدينة نتيجة القصف بالمدافع ورغم الفزع الذي حل بالسكان الآمنين, إلا ان ذلك لم يمنع السكان من أن يهبوا على بكرة ابيهم, وبكل ماتوفر لديهم من عتاد للدفاع عن بلادهم.
و كانت المواجهة في معركة الهانيء بين قوتين غير متكافئتين عددا وعتادا, إلا أن أبناء الشعب الليبي قد سطروا ملاحم بطولية ستظل في سجل التاريخ مكتوبة بمداد من ذهب, ولكن الغلبة في النهاية كانت لقوات الفاشست, الذين كانوا مدججين يالسلاح فلم يكتفوا بما قتلوا في المعركة بل أخذوا ينكلون بكل من يقع في أيديهم من رجال وأطفال, فاقيمت المشانق لبث الرعب في القلوب,وذلك بغرض القضاء على كل أمل في المقاومة.
ولكن هيهات أن يحصل ذلك, فقد زادت جرائم الفاشست من إصرار الليبيين على المقاومة, وأنتشرت أخبار جرائمهم في كل الانحاء.
جلس الفيتوري وأبناء عمومته أمام خيامهم بمنطقة الجوش بأقصى غرب البلاد حيث يتواجد أبناء قيائل الصيعان يحتسون الشاهي ويتحدثون عن هذا العدو الذي هاجم البلاد بغرض أحتلالها والتنكيل بأهلها, ةكانت الاخبار قد وصلت إليهم بمايفعله هذا العدو من تنكيل وقتل لكل من يستطيع حمل السلاحو وسبي النساء وخاصة منهن الصبايا.
كانت الاراء متباينة فالمتحمسون قالوا نذهب لندافع عن أرضنا مع إخوتنا ويجب أن نسرع في ذلك, فهم في أمس الحاجة لنا, والعقلاء منهم, خاصة الاكبر سنا, فقد رأوا أن يتدبروا الامر من جميع جوانبه, فليس من الحكمة ذهاب الرجال للحرب وترك النساء والاطفال عرضة لأي طاريء, خاصة وأن الفاشست كما تواردت الاخبار قد أنطلقوا في خطوط شتى للسيطرة على كامل البلاد, فجزء منهم قد توغل جنوبا بإتجاه العزيزية, وجزء أخر قد سار بنخاذاة الطريق الساحلي للسيطرة على جنزور ومن بعدها الزاوية, في حين توجهت أرتال أخرى بإتجاه الشرق للسيطرة على مناطق شرق طرابلس, ولكن الخبر الذي لم يتجزأ أنهم حيثما حلوا أرتكبوا مجازر فضيعة لبث الرعب في القلوب.
تم تقليب الامر على عدة وجوه, وأخيرا أستقر الرأي بأن يبقى البعض من الرجال والشباب بالنجع للدفاع عن الحريم والعيال, ويتوجه البقية الى العزيزية حيث تناهت الاخبار بأن المجاهدين يتجمعون بها لصد العدوان, وأقترح البعض على من سيبقى بالرحيل غربا والاقتراب من الحدود التونسية زيادة في الحيطة والحذر, فقد يضطرون للدخول الى الاراضي التونسية إذا سأءت الامور, وتواعدوا على اللقاء في كلتا الحالتين, وحددوا الاماكن المتوقع اللقاء فيها, وقد حرصوا على أن تكون متعددة.
كان الوداع مؤلما ومليء بالعواطف, فهو ليس ذهاب لرحلة تجلرة أو للحاق بقطعان الماشية أو الابل, ولا هو ذهاب للتسوق, بل هو رحلة قد تكون بلا عودة, لهذا كان الوداع حارا, وكانت الدموع تهطل من مآقي النساء, وتتحجر في أحداق الرجال.
وانطلق الركب الميمون بإتجاه العزيزية تشيعه العيون الدامعة, والالسن اللاهجة بالدعاء بأن يحميهم الله ويرجعهم سالمين غانمين.
كان على رأس الركب الفيتوري وأبن عمه معاوية, وثلاثة عشر رجلا, يتناوبون الركوب على حصانين, وجمل, وكان يتبعهم حماران يحملان أربع غرائر على ظهر كل حمار أثنتان تتدليان عن اليمين وعن الشمال, فكان الزاد والماء في غرارتين وبقية الملابس والاغطية على الغرارتين الاخريين.
وكانت مع الفيتوري بندقية ورثها عن أبيه, الذي قال أنه تحصل عليها من أحد الجنود الاتراك حينما كانوا يجوبون تلك المناطق لجمع الاتاوات للوالي بطرابلس, فكانوا في بعض الاحيان يتعرضون لغارات يروح ضحيتها بعض الجنود ويغنم المغيرون ما معهم من ذخيرة ومؤن, الامر الذي كان يستدعي إرسال قوات عثمانية لتأديب الاهالي, ولكن الامر يبقى كر وفر, مما أضطر الوالي أن يعقد صلحا مع بعض المشائخ ويرفع عنهم الضرائب, وكان من ضمن القبائل التي كانت ترفض دفع الاتاوة قبائل الصيعان, فكان بعض أبنائها يكمنون للجنود الاتراك في الطريق, وهكذا في إحدى هذه الغارات تحصل والد الفيتوري على تلك البندقية مع عدد بسيط من الخرطوش الذي ظل يحافظ عليه كأثمن شيء يملكه, وكان كثيرا ما يوصي ولده بعدم التفريط فيه, لهذا نجد الفيتوري في كل توقف للركب يتفقد البندقية ويعد الخرطوشات, أما أبن عمه معاوية فكان من الرماة المهرة, لأنه تدرب على القتال فترة من الزمن مع أفراد المقاومة المسلحة التي كان يفودها سوف المحمودي, وظل فترة يتنقل بين الجبل الغربي والاراضي التونسية, وكان هو الاخر يحمل بندقية قديمة لكن ضربته لا تقع على الارض, فقد كان في ما مضى من أيام يتراهن مع زملاءه على الطير في الجو, وكان دائما يفوز بالرهان, لهذا كان يقترب من الفيتوري ويقول له: لن تسقط لي طلقة إلا ويسقط معها أحد الفاشست, فيرد عليه الفيتوري: كذلك أنا أخذت عهدا على نفسي بأن أقتل من جنودهم بعدد الخرطوش الذي معي, والذي سنتحصل عليه, وكان البقية يحملون دبابيس أو سواطير, وأحدهم أو أثنين منهم فقط كانا يحملان مسدسات لكنها بلا ذخيرة.
بعد مسيرة يومان وليلة وصلوا الى مشارف العزيزية فوجدوا تجمعا للمجاهدين بعضهم يحفر خنادق وبعضهم الاخر يهتم بتعليف الخيل, والتجهيز للمواجهة, أستقبلهم أحد المشائخ مرحبا بهم, ودلهم على خيمة ليستريحوا بها, ولكن الفيتوري ومن معه كانوا يتحرقون لخوض المعركة, فأخذوا يستفسرون عن موقع جيش العدو وعدته, ولكن الشيخ قال لهم: أن المعركة لن تقع قبل يومين, فعيوننا أخبرونا بأن الجيش الفاشستي على تخوم منطقة السوانيء, وأن المقاومة تعيق تقدمه في كل مكان, لهذا طب منهم الراحة, وزودهم ببعض التموين, وأنطلق لشانه.
في صبيحة اليوم التالي قام الجميع على صوت المؤذن لصلاة الفجر, وبعد أداء الصلاة والابتهال الى الله بأن يمن عليهم بإحدى الحسنيين, أعلن الامام للجمع بأن هناك اجتماع بالساحة التي بين الخيام بعد تناول طعام الافطار الذي هو عبارة عن زميطة أو بسيسة, وكأس من الشاهي, مع قطع من الخبز.
في الاجتماع تم توزيع بعض الذخائر على المجاهدين, وكم كانت فرحة الفيتوري كبيرة, حيث أنه تحصل على امزيد من الخرطوش, وكذلك أبن عمه, وتحصل أيضا أصحاب المسدسات على بعض الطلقات, وتم التنبيه على الجميع بضرورة المحافظة على الذخيرة, ويجب الحرص على أن لاتضيع طلقة في الهواء, وهنا قام الفيتوري وسط الجمع وقال بصوت جهوري: لكم علي أنا وأبن عمي أن نصيب من جنود الطليان بعدد الخرطوش الذي معنا, فهنأه الجميع على ذلك وباركوا له رميه ودعوا لهما بالسداد, أما البقية والذين لم يتحصلوا على سلاح فقد تم توزيع مهام أخرى عليهم تتمثل في مداواة الجرحى وتقديم الخدمات من تموين وغيرها, وتفرق الجمع استعدادا للمعركة.
وقبيل الغروب بدأت أصوات ألاليات تصل الى أسماع المجاهدين, فأخذوا أهبتهم وتفرقوا على هيئة كراديس, بعضهم تخندق في الخنادق, وبعضهم الاخر توجهوا الى ناحية الشرق للقيام بعملية التفاف على القوة الايطالية المهاجمة, وحانت ساعة الصفر وبدأت أصوات المدافع تهز المكان, وأنطلقت أهازيج المجاهدين تتغنى بالوطن, وتدعوا الى الحماسة والثبات طلبا لأحدى الحسنيين.
وارتفع الشهداء نتيجة للقصف المدفعي وعلت التكبيرات, وأنطلقت كوكبة من الفرسان بإتجاه العدو وهي تطلق النارفسقط بعض الجند الفاشست وحدث إرتباك في الرتل المهاجم نتيجة الصدمة, في نفس الوقت وصلت كوكبة أخرى من المجاهدين قادمين من خلف العدو, فأحدثوا فيهم فوضى وسقط المزيد من القتلى في صفوف العدو, وفي هذه الاثناء كان الفيتوري وأبن عمه يتخذان مكان فوق ربوة ويستتران بكومة من الرمل, ويصطادان جنود العدو, وكانا يعدان قتلاهما, ويشجع كل منهما الاخر, وأخذت الحماسة الفيتوري فوقف فوق الربوة وهو يكبر, حاول أبن عمه منعه لكنه فشل في ذلك, وكان الفيتوري في قمة حماسته يصطاد الجنود الطليان أصطيادا, وفي هذه الاثناء كان أحد الضباط الايطاليين قد تفطن الى ما يفعله الفيتوري وابن عمه, فقد شاهد أن المتخندقين في تلك الربوة قد أثخنوا في جنوده, فأخذ يتحين الفرصة, وما أن واتته الفرصة حتى أطلق رصاصة أخترقت فخذ الفيتوري وسقط يتلوى من الالم, وسرعان ماجذبه أبن عمه الى الخندق ونادى على المسعفين ليأخذوه الى الخلف لمداواته, حاول الفيتوري التظاهر بأنه يستطيع البقاء, إلا أن الجرح كان غائرا والدم يتدفق منه بغزارة, مما جعله لايقوى على الكلام, فأخذوه على نقالة بدائية مصنوعة من عيدان الخشب الى الخلف, ليتم نقله على ظهر حصان الى خيمة المداواة التي نصبت في أحد الوديان البعيدة بعض الشيء عن ميدان المعركة.
حوالي منتصف الليل أنهك التعب الجميع فهدأت أصوات القذائف, ومن ثم توقفت نهائيا ليلتفت كل فريق الى نتائج المعركة, وتحت جنح الظلام أخذ الفريقان يبحثان بين القتلى عن الجرحى لإنقاذهم, وفي هذه الاثناء أتجه معاوية مع بعض من وجدهم من رجال القبيلة الى حيث خيمة الجرحى للإطمئنان عن الفيتوري.
تم دفن الشهداء, وإبعاد الجرحى عن ميدان المعركة حيث تم نقلهم الى قرى داخلية, وتحصن البقية في ختادقهم, وأحتاطوا لأنفسهم من قذائف المدفعية حيث أن أغلبهم لم يكن يعرف هذا النوع من السلاح, وتواصوا فيما بينهم بالصبر والصلاة.
أما معاوية ومن معه, فقد عادوا بعد أن أطمأنوا على ابن عمهم, وطلب أحد الرجال من الفيتوري أن يعيره البندقية, فلم يمانع لكنه أشترط عليه أن يعيدها إليه, وأن يقتل بها أكبر عدد من الفاشست, فوعده خيرا, وكان العناق والتمنيات بالسلامة, ولم يتمالك الفيتوري نفسه, فأنهمر بالبكاء, وضرب على رجله المصابة, فقد كان يتمنى أن يكون معهم ولكن تجري الرياح بما لاتشتهي السفن.
وفي ثاني أيام المعركة وصلت تعزيزات كبيرة للقوات الغازية, وبان الضعف والتعب على المجاهدين, نتيجة فقدانهم العديد من الرجال, فتفرقوا فمنهم من أتجه الى الجبل ومنهم من توجه غربا الى مناطق شكشوك والجوش, وبعضهم الاخر أتجه الى ترهونةز
وصل معاوية الى خيمة الجرحى حيث أبن عمه, فوجد أن الاخبار قد سبقته, ووجد أن العديدون قد غادروا المكان, وما أن لمح الفيتوري حتى عانقه, وأخذ الفيتوري يستفسر عما حدث, فأخبره أبن عمه بعجالة وطلب منه الاستعداد للرحيل والعودة الى النجع, وبعد لحظات أنظم إليهم بعض ممن جاء معهم, فأخذ الفيتوري يجيل عينيه في القادمين وكأنه يسأل عن أحدهم, فقال أحد الرجال: لقد أستشهد, وعرف الفيتوري المقصود فهو يسأل عن ذاك الذي أعاره البندقية, وأضاف الرجل: لقد كان أهل لأن يحمل بندقيتك, فقد قتل من العدو عدة جنود, ولم يتزحزح عن مكانه, بل ربط ركبته بحبل حتى لا يهرب, وكان يقول مرحبا بالجنة, ويكبر حتى دهسته دبابة العدو, فتمتم الجميع: رحمه الله.
بعد رحلة شاقة كادوا أن يهلكوا فيها وصلوا الى حيث كان النجع يقيم فم يجدوا إلا أطلاله, وكان التعب قد أعياهم فقرروا قضاء ليلتهم هناك, خاصة وأن جرح الفيتوري قد أنتقض, وكانوا يشعرون بما يعانيه من ألم لكنه كان يتحمل ويتحامل على نفسه, فهو لم يكن يريد أن يصبح عالة عليهم.
نزلو بين شجيرات رتم, وأقاموا ما يشبه الظليلة من قطعة قماش كانت معهم, وربطوا الدابتين اللتين كانتا معهم, وأشعلوا نارا للتدفئية وإعداد الشاهي, وبعد أن تناولوا عشاء تكون من زميطة وبعض قطع الخبز, جلسوا يحتسون الشاهي ويقلبون الامر فيما بينهم, وبينما هم كذلك لمحوا خيالا يقترب منهم, فأخذ معاوية بندقيته وأستعد, ولكنه تبين أنه أحد الرعاة وكان يتجه ناحيتهمو وما أن وصلهم حتى حياهم بتحية الاسلام, وعرفوه وعرفهم, فهو أحد الرعاة الذين تخلفوا عن النجع لتقصي أخبارهم, وبعد الاطمئنان على بعضهم البعض, والترحم على من أستشهد, أخبرهم الراعي بأن النجع قد دخل الحدود التونسية بعد أن تناهت الاخبار بأن أرتال من الفاشست قد توجهت من الزاوية بإتجاه الجبل من عدة محاور, وأخبرهم بأن طلائعهم قد وصلت الى منطقة الهنيلية والتي لا تبعد كثيرا عن مكانهم, فقرروا الرحيل من فورهم, لكن بعضهم أخذ يجيل النظر وكانت أغلب الانظار تتجه الى الفيتوري, فلم يتركهم لحيرتهم بل قال بعزم لا يقبل النقاش: هيا بنا, وتوكأ على عصاه ونهض قائما.
استغرقت رحلتهم عدة أيام, فقد كانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار خوفا من العيون, وازدادت حالة الفيتوري سوء, لكنه كان يتحامل على الالم, وقد لاحظ رفاقه أنتفاخ فخذه وتجمع مادة من القيح والصديد حول الجرح, وفي إحدى منازلهم, طلب منهم أن يأتوه بفرع من الرتم, وأخذ يعالجه بسكينه حتى جعله مدببا, وطب من أحد الرجا أن بفقأ الجرح, وأخذ يعصره فخرجت منه كمية كبيرة من المادة, وكان الفيتوري خلالها يتفصد عرقا, وكاد أن يغمى عليه, ثم أن معاوية أبن عمه جمع بعض العشب وأخذ يدقه على قطع الحجارة حتى تجمعت لديه كمية كافية من العجينة وقام بخلطها برماد ساخن ووضعها على الجرح وربطها, وهيأوا له مكانا ليستريح فيه فتمدد في ظل شجيرة رتم.
قبيل الغروب أستيقظ من النوم فقربوا له بعض الزميطة فاخذمنها القليل وشرب طاسة شاهي, وقليل من الماء, وكان الالم قد خف بعض الشيء, وبشرهم بأنه يشعر بتحسن, وشكر رفاقه على تحملهم للمشاق في سبيله, فلاموه على هذا الكلام, وأخذوا يطرون شجاعته وتحمله للألم, وتندر البعض بأن شبهه بالجمل, وضحكوا من ذلك.
و ما أن مالت الشمس للغروب حتى أركبوا الفيتوري على ظهر الجمل وساروا في طريقهم في جنح الظلام, وما أن لاحت تباشير الصباح حتى بانت لهم الخيام ووكانت انيران قد أوقدت أمام بعضها, وكلما أقتربوا توضحت لهم أكثر حتى صاروا يسمعون ثغاء قطعان اماشية, وأصوات بعض الرعاة وهم يستعدون للخروج بها الى المرعى, وتناهى الى مسامعهم صوت نسوة يتحدثن الى بعضن وهن متجهات الى بئر قريب لملء جرار الماء, قال الراعي الذي يرافقهم: هاقد وصلنا هذا هو نجعنا حسب الاتفاق إن صدق ظني, فقال له الفيتوري وهو على ظهر الجمل: لقد صدق ظنك, وصاح مناديا: يا فلانة بأسم زوجته, فقد تبين صوتها من جملة أصوات النسوة, فأنتبهت النسوة للصوت وفزعن في البداية لكنهن سريعا ما تبين أن القادمون هم رجالهن, فرمين الجرار وجرين ناحية الركب اقادم وسط زغاريد وتكبير, وكانت معانقات وأبتسامات ودموع.
وصل الخبر الى الخيام, فخرج كل من فيهم صغارا وكبارا إناثا وذكورا لإستقبال القادمين, وأدخل الفيتوري الى خيمته, جاء الجميع لعيادته وتهنئته بالسلامة, وكان من ضمن من جاء بعض نساء الشهداء وأبنائهم, فقرب الاطفال إليه وأخذ يمسح على رؤوسهم, ولم يتمالك نفسه , فأجهش بالبكاء, ولكنه مسح دموعه ووجه حديثه لزوجات الشهداء قائلا: أنتن في جوارنا في اعز مكان, وأبناءكم سيفخرون بأبائهم الذين ذهبوا الى الجنة, دفاعا عن دينهم وعن وطنهم.
مرت الايام والشهور والسنوات ولم يبقى من جرح الفيتوري سوى ندبة بفخذه, كان ينظر إليها بعد أن عاد الى وطنه وهو جالس أمام كوخه بضواحي طرابلس, ويقول: ليتك كنت هنا, ويشير الى صدره.
وذات يوم وبينما هوجالس كعادته بين إخوته وأبناء عمومته أمام الكوخ يحتسون الشاهي ويلعبون الخربقة, جاء الاطفال وهم يصيحون هناك سيارة شرطة تقترب, فأنتبه الرجال, لكنهم لم يقطعوا اللعب الى أن وصلت السيارة ونزل منها رجلان يحملان معهما سجل, و تقدموا ناحيتهم وبعد إلقاء التحية قال أحدهم: أيكم الفيتوري, فأعتدل الفيتوري في جلسته, لمس عصاه, وقال بثبات: أنا تفضل, فقال الرجل: نحن لجنة من الحكومة نقوم بحصر المجاهدين وقد أخبرونا أنك شاركت في معركة العزيزية وأصبت فيها, فهل تعطينا بطاقتك الشخصية لتسجيل بياناتك, فحرك الفيتوري عصاه بعد أن شدد قبضته عليها وقال: ألم تعجبك هذه الشخصية وأشار بيده الى صدره, حتى تطلب البطاقة, ثم أنني شاركت في المعركة دفاعا عن ديني وعن وطني ولم أشارك لتأتي أنت أو غيرك لتسجلني, وأضاف بنبرة جادة: هيا يا بني أرجع كتبك الى السيارة وتعالى أشرب الشاهي أو أرحل.
حاول الرجل الاخر أن يتكلم لكن الفيتوري لم يترك له المجال, وكرر عرضه تريدون طاسة شاهي أو الرحيل, فما كان من الرجلين إلا أن نظر أحدهما الى الاخر وعادا الى السيارة, فألتفت الفيتوري الى أحد إخوته الذي كان يلعب معه الخربقة وقال: دوري أم دورك.
الهادي خليفة الصويعي/ ليبيا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق