..................
طارق منور
.................
#البركة بين ضفتين
الحلقة 29
لم تكن علاقة درداغو مع النوار علاقة صحبة وثيقة ..فلم يعرفه سوى لأيام ...لكن درداغو ألفه ..وألف بنته ورق قلبه حين سمع اطوار قصته المريرة مع أمه...لقد تأججت فيه حمية ابن الدوار حين سمع خبر وفاته و التهبت فيه نيران القلق على مبروكة خصوصا حين تذكر بسمتها المجنونة وهي بين أحضان أبيها ....أحس الرجل أنه لزاما عليه أن يعرف حيثيات الوفاة و يتأكد من مصير الطفلة بعد رحيل والدها .
لم يشأ درداغو أخذ قسط من الراحة حين وصل الى تولوز و اتجه مباشرة صوب محل عمي محاتة ....كان المحل كعادته يغص بالمهاجرين ...منهم من يأكل منهم من ينتظر ومنهم من وقف مع عم محاتة فاقتحم درداغو وقفتهم دون سلام او كلام فرٱه عمي محاتة ...نطق درداغو : هل صحيح ما سمعت يا عم محاتة ؟ هل مات النوار ؟ ...اطبق الصمت على عم محاتة والحاضرون ...ثم نطق قائلا : نعم يا درداغو ...فانفجر درداغو بالبكاء قائلا: لماذا لم تحمه يا عم محاتة تركته امانة عندك ...عم محاتة : الاقدار هي التي حكمت يا ابني ....فقد دهسته سيارة سائقها كان مخمورا .....درداغو : واين هي ابنته الرضيعة ألم يتركها في عهدتك ؟ تعجب عم محاتة من سؤال درداغو ورد مستغربا : ألم يتركها في النزل عند ازميرالدا ؟؟ لقد سمعت من زملاءه العمال أنه لا يتحرك كثيرا ..من العمل الى النزل ..ليرعى ابنته مبروكة ....درداغو : أنا منشغل لمصير هذه الطفلة ومادام قد اتى معي الى هاته الأرض فابنته ابنتي ...لقد غادر لدار الحق أما هي فمصيرها مجهول ..سأذهب إلى ازميرالدا لاسترجاعها ...عم محاتة : لا تقلق يا درداغو ..حتما ستجدها هناك عندها.
كان الليل قد ارخى سدوله و ارسل عتمته حين وصل درداغو الى الاستقبال في النزل ...قابلته ازميرالدا بالتحايا لكن تقاسيمها على غير عادتها فلم يترك لها درداغو حتى فرصة الحديث: أين الطفلة يا ازميرالدا ..لقد ابقاها في عهدتك قبل ان يخرج ؟.....خافت العجوز وارتعدت فرائسها وهي ترد على رجل تجهمت ملامحه...: والله لقد كان يوم راحته لقد حممتها و البستها طاقما جميلا كان قد جلبه لها ...اخذها معه وقال حين استفسرت عن وجهته انه سيتنزه معها ساعة او ساعتين و يعود ...لكني انتظرت وانتظرت ولم يعد حتى لحقني خبر وفاته في المستشفى ..صاح فيها درداغو : ارجووووك يا ازميرالدا الموقف لا يحتمل مزاحك ...ارجو ادخلي لغرفتك واخرجي لي مبروكة فقد قررت ان ٱخذها معي الى ليون ... فاقسمت ازميرالدا بأغلظ الأيمان أنها لا تعرف عنها شيئا ...خرج درداغو من النزل و قد جن جنونه و كاد يفقد صوابه : يا إلاهي !!!! أين ذهبت الطفلة الرضيعة ....أنا أمام الله مسؤول عنها !!! ما العمل ؟ أين تكون !!! أين تركها ؟؟ كان الرجل يمشي و يستحضر كل المشاهد مذ وصوله مع النوار حتى افتراقهما ..اين ذهبنا ؟ الى النزل ...ثم الى عم محاتة ..ثم....ثم ....نعم ...هي بالذات ذهبنا الى السيدة فتيحة لنسترجع مبروكة ...لكن استرجعناها وانتهى أمر فتيحة ....فكيف اختفت ؟؟ ليس للرجل عائلة ولا اصحاب.....انتظر يا درداغو ...انتظر ..انتظر لقد تذكرت ...نعم تذكرت ...لقد قال النوار للسيدة فتيحة أنه لن يحرمها منها و سيأتي لزيارتها من وقت لٱخر فتمتع ناظرها برؤية مبروكة ...اذن لابد أن ازورها ...حتما تكون الطفلة عندها ...فلم يبق مكان ٱخر .
هرول درداغو بسيارته ...نحو بيت السيدة فتيحة و العلمي....مازالت بعض الحركة في هذا الشارع الواقع في وسط تولوز .....دق الباب و دق ...ثم دق و دق حتى انتبهت الجارة المجاورة فأطلت عليه من سور الحديقة فابتسم لها درداغو خجلانا : ٱسف يا سيدتي إن كنت ازعجتك ...اريد مقابلة السيد العلمي وحرمه السيدة فتيحة ...فنطقت العجوز جيزال : لست الأول الذي دق الباب اليوم ...كل معارف العلمي جاؤوا قبلك واخبرتهم أنهم غادروا صباحا .....درداغو : ماذا ؟ غادروا !!! ثم اضافت جيزال : خرج العلمي على غير عادته مبكرا ....ثم غادرت زوجته مع سائق اجرة في حوالي الحادية عشر و معها رضيع تحمله في ذراعيها .....درداغو : وأين كانت وجهتهم يا سيدتي ؟ جيزال : لا أدري يا سيدي ...هم يسافرون كثيرا ...و عادة ما يخبروني بوجهتهم كي استلم فواتيرهم والبريد ...لكن هذه المرة لم يفعلوا.. لا أدري لماذا ؟ ...لكن لم تقل لي يا سيدي من تكون ؟ ...درداغو : أنا ؟ ههههه...انا ابن عم العلمي جئت من ليون لأزوره يا سيدتي وادعوه هو و زوجته لحفل زفافي ...و سيسرني ان تكوني حاضرة معهم يا سيدتي....جيزال : حقا !!! هل يمكنني الحضور ...اااه كم أحب حفلات الزفاف العريية ..تركها درداغو تسبح في خيالها وغادرها قائلا : سأعود لأعطيك كارت الدعوة يا سيدتي ...اسف على ازعاجك ..ثم انطلق ...يضرب اخماسا في اسداس... على حال الطفلة ...لكن الشيء الإيجابي أنها موجودة مع السيدة فتيحة ..بقي الٱن ان يجد مكان فتيحة و زوجها .
في الصباح الباكر ...تذكر درداغو ان العلمي يملك محلات جزارة ...فلف يسأل عنه من محل لٱخر لكنه حبن غادر احد المحلات من هنا دخل العلمي فأخبره الأجير ان رجلا اسمه درداغو سأل عنه ... فغادر مباشرة عائدا الى قرية لاباج واخبر زوجته بما صار ....فوقفت فتيحة وقالت : ماذا !!! أكيد ان العجوز الحشرية جيزال اخبرته اننا غادرنا البيت .....اسمع غدا تهاتف جميع اجراءك في المحلات و مثل انك متعب و محتاج لتغيير الأجواء و اضرب لهم موعدا كل يومين او ثلاثة في قرية قريبة من هنا لتتحاسب معهم دون ان تخبرهم بمكان مكوثك حتى لا ينتشر الخبر ...يجب ان نطمس ٱثارنا من تولوز حتى ييأس درداغو و يغادر فلن يقو على الغياب عن مصالحه في ليون ....يتبع
طارق منور

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق