.................
محمد زهري
................
إشكالية الحب عند الفلاسفة.
♡♡♡♡♡♡
بقلم :محمد زهري
باحث في التربية وعلم النفس.
♡♡♡♡♡.
عرف العنوان تطورا من محاولة تعريف الحب إلى أن أصبح إشكالية الحب عند الفلاسفة إذن ما هو الحب؟ يعرف المعجم الوسيط الحب بفتح الحاء. ما يكون في السنبل والأكمام. والحب أو الحب بضم الحاء او كسره هو الوداد والمحبة والحب عند الفلاسفة هو ميل إلى الأشخاص أو الأشياء العزيزة. الحب بكسر الحاء المحب، المحبوب وجمعها أحباب، حٍبّان، حٍبَبَة
ولسان العرب لابن منظور يعرف: الحب نقيض البُغْض والحب الوداد والمحبة وفي حديث فاطمة رضوان الله عليها قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عائشة رضي الله عنها، إنها حٍبَّة أبيك، فالأنثى حٍبّة
والعٍشْق إفراط في الحب، غرام، حب شديد. وعشَّق النجار الخشبة أي أدخلها في أخرى وثَبَّتها فيها
عَشِق الشيء: هَوٍيَه وتعلق قلبه به وأحبه حبا شديدا وأحبه لصٍق به ولزٍمه، عشق فتاة، فلان يعشق الشعر\ الأدب،أعشق هذا اللون. ومنها المثل: للناس فيما يعشقون مذاهب. والشوق والاشتياق نزوع النفس إلى الشيء وجمعه أشواق.
شاقني الشيء يشوقني فهو شائق وأنأ مشوق
و لانطلاق حديثنا عن فضيلة يعتبرها بعض المفكرين من أعلى الفضائل وأسماها ألا وهي
l amour الحب أو"إيروس Eros " الحب وبالطبع موضوع الحب الجميل (الحسن) le beau
لقد أحصت الأستاذة والباحثة فاطمة المرنيسي أكثر من خمسين كلمة مرادفة للفظة حب في اللغة العربية
و يؤكد العارفون بالقرآن الكريم أن كلة حب بمختلف اشتقاقاتها ذكرها الله في 76 آية،نذكر منها قوله تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم"، الآية 31 من سورة آل عمران.
أقترح كلمة العشق عوض لفظة الحب كما ترجمها الأديب محمد بنيس في كتاب الشاعر عبد اللطيف اللعبي "أزهرت شجرة الحديد" حيث في المقدمة يتحدث عن العشق والموت إلى أن يقول: إننا أوضحنا فيما سبق ما يجعلنا نقول أن العشق تعبير عن مسيرة العودة إلى منابع الاكتمال الإنساني، ولقد عبرت و بحدس خارق، أسطورة الخنثى (androgene) 1 التي تحدث عنها أفلاطون، عن هذا المغزى للعشق كجرح مكون للوضع البشري وكبحث دائم من أجل معالجة الانفصام واستعادة القوة الأصلية والوحدة المفقودة.
أتذكر أن الفيلسوف المثالي أفلاطون في محاورة المأدبة أو كلام حول الحب المعنوي
le banquet de l amour genre moral ففي بداية المحاورة يبرز مناسبة الوليمة التي قدمها أغاثون لأصدقائه بمناسبة فوزه في مسابقات الدراما المسرحية الماساوية tragedie بحيث يقترح أحد المتحدثين تجادب أطراف الحديث حول الحب وهنا
ويذكر أفلاطون في محاورته عندما طرح السؤال ما هو الحب؟ وقدم أحد المحاورين في محاورة المأدبة جوابه كالتالي فالعشق هو الانجداب كما ينجدب الحديد نحو المغناطيس من خلال الحكي عن كائن يسمى أندروجين androgene مكون من رجل "أندرو" و امرأة " جين" له رأسين عقلين واربعة أيادي و أربعة أرجل يتمتع بقوة خارقة أكثر سرعة فحاول الصعود إلى عالم الألهة مما أغضب ديزوس جوبيتير Jupetirفامر كرونوس أن يشطر (أندروجين) شطرين ومن تلك الفترة و "أندرو" يبحث عن جين أي الرجل أو المرأة في بحث مستمر أبدي عن نصفهما الآخر بشكل دائم و كما يقدم ذلك فالعشق انجداب الطرفين لبعضهما انجداب العاشق إلى المعشوق
وهكذا أصبح الناس يتحدثون عن الحب الافلاطوني الذي نجد تعبيره في تراثنا العربي في الحب البدوي العذري المعبر عنه في شعر الغزل البدوي العذري مقارنة بالحب الحضري غير العذري أي الماجن فيه المجون الذي يكرهه الجميع
واقترح أحد الأدباء شخصيتين عن الحب العذري وهما ليلى الأخيلية وجميل بن معمر (جميل بثينة).
1- قصيدة لجميل بثينة:
صدت بثينة عني أن سعى ساع
ومن أروع قصائد جميل بن معمر في عتاب محبوبته بثينة بعد ظلمها له وتصديقها للواشي الذي وشى بأقوال غير صحيحه عنه:
صَدَّت بُثَينَةُ عَنّي أَن سَعى ساعِ
وَآيَسَت بَعدَ مَوعِدٍ وَإِطماعِ
وَصَدَّقَت فيَّ أَقوالاً تَقَوَّلَها
واشٍ وَما أَنا لِلواشي بِمِطواعِ
فَإِن تَبيني بِلا جُرمٍ وَلا تِرَةٍ
وَتولَعي بِيَ ظُلماً أَيُّ إيلاعِ
فَقَد يَرى اللَهُ أَنّي قَد أُحِبُّكُمُ
حُبّاً أَقامَ جَواهُ بَينَ أَضلاعي
لَولا الَّذي أَرتَجي مِنهُ وَآمُلُهُ
لَقَد أَشاعَ بِمَوتي عِندَها ناعي
يا بَثنُ جودي وَكافي عاشِقاً دَنِفاً
وَاِشفي بِذَلِكَ أَسقامي وَأَوجاعي
إِنَّ القَليلَ كَثيرٌ مِنكِ يَنفَعُني
وَما سِواهُ كَثيرٌ غَيرُ نَفّاعِ
آلَيتُ لا أَصطَفي بِالحُبِّ غَيرَكُمُ
حَتّى أُغَيَّبَ تَحتَ الرَمسِ بِالقاعِ
قَد كُنتُ عَنكُم بَعيدَ الدارِ مُغتَرِباً
حَتّى دَعاني لِحيني مِنكُمُ داعِ
فَاِهتاجَ قَلبي لِحُزنٍ قَد يُضَيِّقَهُ
فَما أُغَمِّضُ غُمضاً غَيرَ تَهياعِ
وَلا تُضيعَنَّ سِرّي إِن ظَفِرتِ بِهِ
إِنّي لِسِرِّكِ حَقّاً غَيرُ مِضياعِ
أَصونُ سِرِّكِ في قَلبي وَأَحفَظهُ
إِذا تَضايَقَ صَدرُ الضَيِّقِ الباعِ
ثُمَّ اِعلَمي أَنَّ ما اِستَودَعتِني ثِقَةً
يُمسي وَيُصبِحُ عِندَ الحافِظِ الواعي
2- ليلى الأخيلية: كأَنَّ فَتى الفِتْيانِ تَوْبَةَ لَمْ يَرُضْ
قضيباً ولم يَمْسَحْ بنُقْبَةِ مُجربِ
غَضُوبٌ للمهامِهِ ذاتُ لَوْثٍ
أَمونُ الخَلْقِ سيرتُها غلابُ
3- مثالٌ على الشعر الحضري سبق وذكرنا أنّ عمر بن أبي ربيعة هو رائد الشعر الحضري،
ومن شعره في هذا المجال ما يأتي:
بينما ينعــتنني أبــصرنني
دون قيد الميل يعـدو بي الأغر
قالت الكبرى: أتـعرفن الفـتى؟
قالت الوسطى: نعم .. هذا عـمر
قالت الصغـرى، وقد تيمتـها:
قد عرفناه .. وهل يخفـى القمر؟
وتحملنا الرياح إلى المتصوفة الذين عبروا في شعرهم وكلامهم عن العشق الإلهي منهم رابعة العدوية حيث تقول:
عرفتُ الهوى مذ عرفت هواك *** وأغلقت قلبي عمن سِواكَ
وكنت أناجيك يا من ترى *** خفايا القلوب ولسنا نراك
أحبكَ حُبّيْنِ حب الهوى *** وحبّا لأنك أهل لذاك
فأمّا الذي هو حب الهوى *** فشغلي بذكرك عمن سواك
وأمّا الذي أنت أهل له *** فكشفك للحُجب حتى أراك
ومن منا لا يهيم في كلام سلطان العاشقين ابن الفارض وكذا الحلاج الذي يقول
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
وهذا الأخير الذي مات مقتولا بسبب سوء فهم كلامه من طرف العامة حيث كفروه ولازال من يعتبر ابن عربي كافرا من طرف بعض المتشددين
ولاختم بقول رمز فلسفة وحدة الوجود الصوفي ابن عربي:
لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير رهبان
وبيت لأوثان، وكعبة طائف
والواح توراة، ومصحف قران
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه، فالحب ديني وإيماني
وأما الرازي وابن سينا فقد اعتبرا الحب علة أي مرضا ويبين الأول تشابه أعراض العاشق الولهان و أعراض الاكتئاب
وخير ما نختم به كلامنا قول الله العزيز الجليل: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم رحمة ومودة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"، الآية 21 من سورة الروم.
♡♡♡♡♡

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق