...........
د. عبدالوهاب الجبوري
...........

بسم الله الرحمن الرحيم
الانسانية والسلام (دراسة)
مقدمة
الإنسانيّة وما يرتبط بها من خصال حميدة كالمحبة والسلام، هي في اللغة مصدر صناعيّ من كلمة إنسان، وهي ما يُميِّز الإنسان من خصائص وصفات، تجعله يختلف عن بقيّة أنواع الكائنات الحيّة، ويمكن القول أنّ الإنسانيّة هي ما يُضادّ البهيميّة أو الحيوانيّة ، وتعرف ايضا بأنّها ما يتميَّز به المرء من الأعمال الصالحة التي يقوم بها ، وعندما يُقال عن شخص ما أنّه يقوم بعمل إنسانيّ، فمعنى ذلك أنّه يقوم بعمل يعود بالخير على البشر، وهو إنسان قادر على التجاوب مع سلوك الإنسان الطبيعي ..
المفهوم الإنساني
يتجسد هذا المفهوم باجل معانيه في احترام الجميع بكل ما يحملونه من أفكار ومعتقدات وأديان وكذلك في النظر إلى الجوانب التي تربط الآخرين لا التي تفرقهم ، مع الحرص على الابتعاد عن تصنيف الناس حسب دينهم ودرجة تدينهم وعرقهم وثقافتهم وانتمائهم .. فالإنسانية بهذا المفهوم تنقلنا من حالة المشاحنة النفسية والكره إلى حالة الاطمئنان النفسي والمحبة والسلام الداخلي ، حالة من الحب والاحترام للجميع دون شرط أو قيد .. ومفهوم الإنسانية ايضا هو المعاملة التي يتعامل بها الإنسان وتنصب على الآخرين حوله مثل المعاملة اللطيفة والرضا والقناعة ، والبعد عن الظلم والعنف وتفضيل النفس لأسباب عنصرية أو طائفية أو مذهبية أو أي اعتبار آخر .. أي أنه مجموعة العادات والأخلاق المتحكمة في سلوك الإنسان وخاصة النبيلة منها ، وفي مقدمتها محبة السلام ، التي تعتمد على توقير الآخرين والحرص على كرامتهم وعدم إيذاءهم بأي شكل كان . فالإنسان هو الجسد الذي يتحرك لتحقيق حاجياته ، وتأمين ضرورياته ، والإنسانية هي الروح التي تضفي على ذلك الجسد الأنس والسعادة وتجنبه الحزن والكآبة، وتدعوه للمحافظة على السلم والأمن ، فروح الإنسانية نظرتها شمولية مقاصدية تهدف إلى استقرار البشرية ، وعلى الإنسان أن يكون رحيماً لأنّ الرّحمة تجمع بين البشر ، وأن يكون أديباً لأنّ الأدب يوحد القلوب المتنافرة، وأن يتمرّس بالفن والموسيقى لأنّ الأخيرة تنقذ القلوب من جراثيم الطّمع والأنانية ، وهكذا بهذه المعاني الراقية فان الإنسان هو المواطن الذي يجسد معاني الانسانية بكل قيمها ومعانيها واهدافها ..
المفهوم العالمي للإنسانية
الإنسانية مفهومٌ عالمي وواسع ويحتمل الكثيرَ من الجوانب التي تصب في مصلحة الإنسان ، وتعبّر عن قيمته ككيان حي له حقوقه وكرامته التي يجب أن لا تداس ولا تهان ، ومن معانيها ، تلك النزعة الموجهة إلى التعاطف والاحساس الإنساني بالآخر ومواساته في ألمه ، وتعكس مدى سمو المجتمعات ، وقد أسقطت من خارطتها اللون والمذهب والبلد، والإنسانية هي جوهر النفس البشرية حيث أنها مجموعة الاعتبارات الخاصة بالإنسان ومشاعره وسلوكه والتي تميزه عن الآخرين كونها تشمل العوامل الإيجابية في نفسه ومدى ميله الفطري إلى فعل كل ما هو جيد وصالح للآخرين ..
المفهوم الحضاري للإنسانية
معروف أن التكنولوجيا قد صنعت حضارة قادرة على جعل كل الناس يعيشون حياة مشتركة ، وجعل الأجيال تتطور أكثر فأكثر بفضل ما تقدمه العلوم من رؤى مستقبلية للجميع، ومن تنوير للفكر، وفهم لمنطق الحياة ، لذا فان طبيعة العلاقات الإنسانية وتشابكاتها تقوم على مدنية التواصل واساسها المحبة والسلام والتعاون، فالإنسان مدني بطبعه، وهو دائم البحث عن كل ما من شأنه الارتقاء بالعلاقات الاجتماعيَّة، والبحث عن منجزات جديدة تخدم الإنسان في علاقاته وتفاعلاته المختلفة، والمتشعبة في الحياة ، من هنا جاء إطلاق الحضارة الإنسانيَّة التي تعني: كل إنتاج أو عمل تنعكس فيه الخصائص الفكريَّة، والوجدانية ، والسلوكيَّة للإنسان الاجتماعي الواعي في إطارات من القيم العليا، والمبادئ المثالية التي تسعد البشرية جميعاً وترتقي بها إلى مصاف العدل والامن والسلام والمحبة والتعاون ،. فالحضارة إذن هي ما ينتجه الإنسان من أفكار ومبادئ وقيم فيها إضافة لمسيرة البشرية، ويبقى الإنسان هو ركيزة الحضارة، وهو شعلة المنارة ..
الأسلام والإنسانية
كثيرًا ما نسمع من الناس، دعونا نترك الدين جانبا ونكن إنسانيين مع بعضنا البعض ونعزل الدين عن حياتنا ، وأصحاب هذا الدعوة لا يعرفون ما هو الدين الإسلامي ، ولا يعرفون أن الإسلام هو أكثر إنسانية من الإنسانية نفسها، لأن الإسلام هو أول من طبق وأوجد الإنسانية وشرع قوانينها وكرّم الإنسان ورفع قيمتهُ وكرامتهُ ، والإسلام وحده من يسعد الانسان والانسانية وينقذهما من عذابِ الآخرة ، والإسلام هو من يكمل الإنسانية.. أي أن الإسلاغم يحقق شروط الإنسانية ، لأن الإسلام الصحيح يحث المسلم الحقيقي على أن يكون في قمة الإنسانية عند تعامله حتى مع غير المسلمين يحفظ لهم حقوقهم ويصون عرضهم ويحترم جوارهم ويحسن إليهم ..
الخاتمة
واخيرا لا ننسى ، ونحن في عصر الآلة، أن الإنسان هو انسان ، وعلى هذا الإنسان أن يجعل قلبه محبا لبني البشر وتامين سلامتهم ، وعقله مدركا لمقاصد الفكر، وجسده متحركا ليترك بصمة وأثر ، وان يكون إنسانا يتصف بكل المعاني الإنسانية النبيلة ، وأن يدع عنه الغرور والظلم والأنانية، لينعم الجميع بحياة حرة آمنة وسعيدة في ظل القيم والمبادئ الإنسانية التي باتت تشع بنورها على كل العالم دون تمييز أو تفريق ..
مناشدة
على هامش هذه الدراسة ، ومن منطلق الشعور بالمسؤولية امام الله والضمير والتاريخ ، فإني أناشد نفسي وقادة العالم وصنّاع السياسة الدولية والإقتصاد العالمي والتعايش والسلام والصحافة والاعلام ، بالعمل جديا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام ، والتدخل فورا لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حاليا من مواجهات وصراعات دامية وانحدار ثقافي وأخلاقي ..
مراجع
1. سناء الدويكات ، ما تعريف الإنسانية، موقع موضوع 2018
2. مفهومٌ الإنسانية في الإسلام، موقع موضوع ، في الأول من آب ٢٠١٧
3. بلال الرنتيسي ، أيهما يعلو على الآخر: الإنسانية أم الدين ؟ مدونات الجزيرة ..
4. محمد احمد العبادي ، الإسلام اعظم من الإنسانية، موقع طريق الإسلام 2017
5. عبدالغني حوبة ، من الإنسان إلى الإنسانية، موقع تبيان ..
6. احمد افازارن ، البحث عن الإنسانية، موقع هسبرس ، 2015
7. وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك
8. معلومات شخصية..
د. عبدالوهاب الجبوري
2019/6/13
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق