الثلاثاء، 3 مايو 2022

 .................

محمد بن رحال

...............



ومن بعض الانتظار ما قتل
الساعة الثانية عشر زوالا، توقيت تنتظره بفارغ الصبر
لتسرع إلى مطعمها الاعتيادي كي تتناول وجبة الغداء.. جلست في ركنها المألوف، أخذت هاتفها لتبحر قليلا في انتظار أن يأتيها النادل بأكلتها المفضلة خليط من فواكه البحر، كيف لا وهي عاشقة البحر في رائحته، في زرقته، في شساعته، فيما يبثه في نفسها من إحساس بالهدوء والراحة.. غير بعيد هناك شاب اعتادت على رؤيته كل يوم في نفس الوقت و في نفس المكان ، يكاد يخترقها كل مرة بنظراته ، شاب وسيم و أنيق، ابتسم، ابتسمت ثم عادت إلى طبقها.. مر النهار و بسمة ذلك الشاب لا تفارق خيالها ، هل يشتغل معها في نفس الإدارة بحكم أن هذا المطعم يؤمه بعض زملائها في العمل ؟ لا تدري .. لم تكن تراه إلا في هذا المطعم كل يوم ..
في أحد الأيام و بينما كانت تتناول وجبتهاو، أحست بشخص يقترب منها قائلا "بالصحة والراحة" بلهجة لها لكنة خاصة ، للحظة لم تصدق لا عينيها ولا أذنيها ، بدأت تتلعثم بشكل أثار ضحكهما معا ، بدت متوثرة ، لم يخطر ببالها أن تتحدث إليه.. حاولت أن تستجمع قواها ، إنها فرصتها للتقرب منه.. اسمي "خنساء" ، قالت و هي تمد إليه يدها ، صافحها بحرارة مردفا " وأنا بدر الدين".. كان اللقاء قصيرا عرفت من خلاله أنه من الجيل الثاني لابناء المهاجرين ، و أنه عاد إلى وطنه لاستثمار كفاءته في بلده .. تبادلا أرقام الهاتف ثم ودّعها مبتسما وهو يقول : أنت رائعة
في المساء هاتفها طالبا لقاءها ، لم تكن لترفض ، حلمها قد بدأ يتحقق ، دخلت غرفتها لتتهيأ للموعد .. بعد ساعة كان اللقاء ، أخبرها أنه يتوفر على دعوتين لمشاهدة عرض مسرحي إن كانت ترغب في ذلك ، لم تتردد أجابته والسعادة تشع من عينيها " كما تريد بدر الدين"... كانت المسرحية كوميدية بثت البهجة في نفسيها ، ضحكت كما لم تضحك من قبل.. كانت أمسية جميلة ، و هما في طريق العودة، أخبرته أنها تريد لقاءه من جديد ليتقربا من بعضهما أكثر، أجابها " كأنك قرأت أفكاري ، سأكون جد مسرور لذلك طبعا " أوقف سيارته أمام المرآب حيث تركت سيارتها ، انتظر حتى انطلقت ثم غادر ...
مرت الأيام وتواصلت اللقاءات ، أصبحت علاقتهما متينة و راسخة ، كلاهما يحب الآخر بصدق ، حبا ينمو كل يوم..
ذات مساء أخبرها بدر الدين أن عليه بعد أسبوع أن يسافر إلى الخارج لمدة شهرين ، فأبوه يحتاج إليه في أمر يخصه… لم تصدق أذنيها ، انخرطت في بكاء هيستيري .. كيف لها أن تعيش بعيدا عن محبوبها شهران كاملان؟ كيف تعيش دون ابتسامته الجميلة وعينيه اللتين تشعان حبا ، كيف ؟ تألم بدر الدين وهو يراها منهارة و حزينة ، وعدها أن يرسل إليها كل يوم بريدا إلكترونيا بل أكثر ... بذل كل ما في وسعه خلال ذلك الأسبوع لكي تكون سعيدة .. لكن لا شيء استطاع أن يبدل حزنها فرحا .. وفي اليوم الموعود رافقته إلى المطار في سيارتها .. هناك ودّعته باكية ، و طلبت منه أن يعتني بنفسه و أن يعود إليها سريعا .. و أنها ستفتقده بل ستفتقد نفسها أيضا في غيابه ..
و هي وحيدة في بيتها شعرت بفراغ لم تستطيع أن تملأه وحدها .. غالبا ما تنطلق دموعها حزنا على محبوبها رغم الرسائل والصور التي كانت يبعث بها يوميا كما وعدها .. إنه في نظرها سعيد هناك و هي حزينة هنا .. كان انتظارها كالنار بداخلها .. كيف لقلبها أن يقوى على العيش في أرض ليس فيها من تهوى …
ذات صباح و قبل أن تخرج إلى عملها ، ألقت كعادتها نظرة على بريدها لتفاجأ بالخبر السعيدو، سيعود بدر الدين بعد أسبوع وسيوقظها من نومها ذات صباح .. خبر ملأ قلبها دفئا و مرحا، شعرت وكأنها تحلق في السماء من شدة السعادة .. لم تعد قادرة على الانتظار أسبوعا كاملا .. إن يوم اللقاء قريب لكنه بدا لها بعيدا جدا . في كل صباح كانت تستيقظ على أمل أن تجد محبوبها بجانب سريرها غير أن أملها كل مرة يخيب .. انقضى الأسبوع بالتمام ولم يأت بدر .. اشتد ألمها، وحزن الانتظار ألزمها الفراش ..
بعد ذلك بيوم عاد بدر إلى حيث وطناه (هي و بلده) ، سعيدا وهو يصطحب أبويه لخطبتها … توجه إلى بيتها في الصباح الموالي ، لم يطرق الباب بل استعمل المفاتيح و تسلل إلى غرفتها و في يديه باقة ورد ليفاجئها كما وعد .. لكن المفاجأة كانت له ، وجدها مستلقية في سريرها و ابتسامة عريضة مرسومة على محياها - كأنها كانت تعلم بقدومه - وقد أسلمت الروح من فرط العشق و وطأة الانتظار ، و بجانبها ورقة كتب عليها :
إلى بدري.
وعدتني
أن يينع غدنا
بعد عودتك
آمنت حينها..
جف ألم لحظاتي..
و تدثر القلب
بدفء عينيك..
و الان أنا
متمسكة بأهداب
الأمل الأبدية
تصمد روحي
أمام شلالات اليأس
تواصل أبدا الاعتقاد
في همْسةِ صوتك
حين يرتفع الغياب
مخدوش بصخور
الصبر
قلبي ينزف رغبة
ينبض، ليصغي
في صمت
لصَخَبِ انتظار
لا يريد الانتهاء
مُسْتَمٍرٍّ في
تقتيلي
أمواج رغباتي
تتلاعب بجسدي
تفتحه على باحة
الحزن والدموع
يظل متشبثا بومضة
الأمل الثابتة
وعد بفجر جديد
تكون فيه بسمتك
شمسيَّ المشرقة
في ربيع حضورك ..
محمد بن رحال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق