الخميس، 9 مايو 2019

............
ال حمزة حمادي .تبسة . الجزائر
...........




وصية الوالد 
حضرت ساعة فراق والده ، فأومأ الوالد لابنه بالاقتراب والدنو منه ثم تنهد وأخرج زفيرا حارا وقال بصوت خافت تعلوه حشرجة : بني أنت وحيدي في هذه الدنيا لم أبخل عليك بشيء وعلمتك وسهرت على تربيتك فخذ مني وأنا على فراش الموت وصيتين واجعلهما قرطا في أذنيك ( إن تزوجت فلا تضرب زوجتك حتى تحكم وثاقها ، والثانية عليك بصاحبك وصاحب والدك لا تنساه ) وفاضت روحه إلى بارئها فبكى أياما وليالي لا يعرف كيف يتصرف في تركة وميراث مهول من أطيان وبقر وأغنام وهو المدلل عند والديه ، فاستعان بوالدته في إدارة الأملاك ولكنه سرعان ما يغير رأيه ، فكثرت سهراته وأصدقاؤه يشجعونه على التحرر من تبعيته لوالدته وعاث في ميراثه فسادا لا يلتفت إلا لأصدقائه الذين تجمعوا حوله بالعشرات ينهبون منه فيعطي هذا ويهدي ذاك ويعين أخر ويتبجح ويتفاخر على ثلة وأمه تنهاه وتنصحه بالزواج فقبل الأمر على مضض ، اختار له أصحابه زوجة وتذكر حينئذ وصية والده فأوثق زوجته في ليلتها الأولى وأشبعها ضربا وركلا وبالعصا مرات وهي تتلوى تطلب الرحمة ،فحل وثاقها وما كاد يفعل حتى أطلقت ساقيها للريح هاربة من بطشه وجاءت والدته تترجاه اللحاق بها وهو مشدوه البال حائرا في وصية والده ولكن أراد تجربة الأمر والتحقق من كنه النصيحة وفحواها ،فخطب ودخل وأعاد الأمر فولت الزوجة الثانية إلى أهلها وأقسمت ألا تعود إلى هذا البربري ، وحاولت والدته مرارا في تزويجه فلم تفلح فقد تسامع الكل عن تصرفاته رغم ثرائه وتربيته إلا أنهم رفضوا تزويج بناتهم له ، أما هو فواصل في تفريق أمواله حتى لم يبق له شئ فذهب إلى أصحابه يقترض فردوه خائبا ذليلا منكسر الفؤاد لا يلوي على شئ ، فحدث والدته عن النصيحة والندم لعدم سماع مشورتها ، لامته كثيرا وهو يتحسر متذكرا شقاء والده وتعبه في تربيته وتعليمه وتضييع تركة والده وأمه ، عندها خطرت بباله فكرة لتجربة النصيحة الثانية فعمد إلى كبش اشتراه وذبحه ثم وضعه في كيس ووضعه على ظهر بغلة وتجول به ليلا على أصحابه يطلب منهم المشورة والرأي السديد في جريمة اقترفتها يداه ، ولكنه فوجئ بردهم وهروبهم من وجهه فهو لم يعد يملك شيئا وما دخلنا فيك ، فيداك أوكتا وفوك نفخا عندها عرف أنه لم يحسن اختيار أصحابه وانطلق إلى صاحب والده لعله يجد عنده ضالته ، فلما طرق بابه خرج إليه ورحب به ولامه كثيرا على تصرفاته ، فقال لقد جئتك أرجو نصحك وإرشادك طبقا لوصية والدي لقد قتلت رجلا ولا اعرف كيفية التصرف في الأمر ، فقال الصاحب أين الجثة فقال الفتى هي محمولة على البغلة ياصاحب والدي فأسرع إليها الرجل يقود البغلة فسأله الفتى إلى أين يا عماه فقال لأخفي الجثة وبعدها سنرى في الأمر مخرجا ، أيقن الفتى أنه أمام صاحب اختاره والده بعناية فائقة وأن أصحابه كلهم ما هم إلا كغثاء السيل يكثر زبده ولا فائدة مرجوة من ورائه فقال يا عماه أبطئ الخطى فأنا لم أقتل وإنما الكيس المحمول فوق ظهر البغلة لكبش ذبحته وأردت من وراء الذبح أن أجرب أصحابي وصاحب والدي كما في الوصية التي لم أفك حروفها وأخبر صاحب والده عن الوصية عنده ضحك العم وقال والدك كان يقصد بضرب زوجتك الابعد إحكام وثاقها ألاّ تضرب زوجتك إلا بعد أن يكثر أولادها لأنها لن تتخلى عنهم بسهولة أما عن الثانية فيعني بها أن تختار أصحابك بعناية وأن لا تكثر منهم لأنه بكثرتهم يضيع خيارهم وأحسنهم ، فكر الابن مليا في نصيحة والده وترحم عليه وقبل أن ينهض من مجلسه قال العم بأن والدك ترك لك عندي أموالا في حال احتياجك لها فإنها تحت أمرك .
ال حمزة حمادي .تبسة . الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق