الأربعاء، 8 مايو 2019

............
وليد.ع.العايش 
..........

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏محيط‏، و‏‏سماء‏، و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏ و‏طبيعة‏‏‏


 يوميات رمضان _ 
_ ٢ _ 
أقسم أبو عبادة بألا يعود في ذلك اليوم وإلا في جعبته الكثير من الطيور ... 
خمسة أطفال وبنت واحدة ، وزوجة ، في غرفة تصلح فقط لسكن بعض الدجاج ، القش يملأ الأرض في الخارج ، الجدران الثلاثة تكاد أن تلامس الثرى ، سقف متحرك يقف مجبرا في أعلى ، ساقية ماء تجاور البيت ، لكنها أصبحت أرملة منذ أكثر من سبع سنوات خلت ... 
الفجر لم يكن بعيدا في هذا الصباح ، نظر الرجل صوب كومة من اللحم تغط في سبات عميق ، تمتم بكلمات مبهمة ثم خرج رافعا رأسه نحو السماء ... 
_ لا تتأخر يا أبا عبادة ... الأطفال جياع ... 
_ لن أتأخر كثيرا ، سأعود قبل مغيب الشمس ... 
عادت أم عبادة إلى فراشها الذي مازال ساخنا ، الابن الأكبر ينظر من تحت غطاء رث ، لكنه بقي صامتا . 
عاد النهار من غفوته ، الأطفال يلهون قرب البيت ، بينما الأم ( الحامل ) تحلب العنزة السوداء ، الضرع يجود بما تركته بعض الحشائش في بطن العنزة ، عندما انتهت هرع الأطفال نحوها ... 
ناولتهم شيء من الحليب البارد ، كبيرهم لم ينل نصيبه ، فقد اغتالت الثغور الخمسة كل ما احتواه القدر الصغير ... 
_ لما لم تشرب يا بني ... 
_ لا يهم يا أمي ... لا يهم ... لست جائع ... 
_ لكنك منذ الأمس لم تذق طعاما ... 
_ بلى ... لقد أكلت بعض ورق شجرة العنب ... 
سكتت الأم ، فليس للكلام أي معنى الآن ، عاود الأطفال لعبهم ... 
ضرب أبو عبادة موعدا مع الطيور في تلك البادية ، لم يأبه للحرارة الشديدة ، عيناه تلتهمان الأرض والسماء دون هوادة ... 
بالقرب منه كانت خيام للبدو تمد رأسها بين أشعة الشمس ، الظهيرة تبدأ بالرحيل شيئا فشيئا ... 
_ تعال ... تعال أيها الرجل ... 
كان الصوت ممزوجا بلهجة بدوية جميلة ، نظر إلى مكان الصوت فإذا بامرأة تصرخ عليه من خلف ستارة الخيمة ... 
اتجه صوبها خجلا ، كانت جعبته تحمل طيور صغيرة ، بينما شعره الأشعث يقسو على رأسه أكثر مما يتوقع . 
_ أريد ماء يا أختي ... 
_ ادخل إلى ( الشق ) وسيأتيك الماء والطعام يا رجل ... 
_ أين صاحب البيت ... 
_ سيعود بعد برهة فهو مع الأغنام ... 
دخل الرجل إلى الخيمة ، كان التعب قد أخذ منه مأخذا كبيرا ... 
حضر الماء بآنية من ( الطوب ) وماهي إلا لحظات فقط وكان الطعام أمامه ، عندما نظر إلى الطعام انهالت على مخيلته وجوه أطفاله الستة ، تراجع قليلا إلى الوراء ... 
_ تفضل ... تفضل ... 
_ لك الشكر يا أختي ... سأفعل ... سأفعل ... 
لم يتم كلامه حتى كان صاحب البيت يصيح من بعيد ، أصيب أبو عبادة بشيء من الرعب ، والخجل ، بينما المرأة كانت تضحك وهي تختلس النظر إليه ... 
_ لدينا ضيف يا رجل ... 
_ أهلا وسهلا ... على الرحب والسعة ... 
تصافح الرجلان وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل ... 
_ لماذا لا تأكل يا صاحبي ... 
_ لا شيء ... لا شيء ... 
بعد إصرار الرجل تناول أبو عبادة بعض الطعام ، التهم الماء أكثر ... 
_ هل تقص علي حكايتك يا أبو ... 
تنهد أبو عبادة طويلا ، ثم قص على الرجل البدوي حكايته ، في ذلك الوقت كانت السماء تتوشح بغيمة من غيوم الصيف ... 
_ يجب أن أغادر الآن ... أطفالي بانتظاري هناك ... 
_ لك ما تريد ... أتمنى أن نلتقي مرة أخرى يا صديق ... 
قبل أن يغادر أهداه الرجل خروفا وأوصاه أن يطعمه لأطفاله ، لم يكن أمامه أي فسحة للرفض ... 
ابتعد أبو عبادة عن الخيمة وهو مازال يلوح بيديه للبدوي ... 
كاد قلبه أن يهجر مكانه فرحا ، حث خطاه نحو البيت ، الغيمة الصيفية تأبى أن تمضي دون أن تترك بعض حبات المطر تنسال عبر حرارة المساء ... 
أصبح على مقربة من البيت ، رتب أشيائه ثم تابع السير ، نظر إلى مكان ما ... 
_ يا إلهي أين البيت ... أين الأولاد ... أين الأولاد ... 
________
وليد.ع.العايش 
٢ رمضان ١٤٤٠

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق