السبت، 4 يونيو 2022

 ..................

محمد البكرى

.....................



!!!!!!!!!! { رواية .. جسر الموت الكئيب } !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
::::::::::::::::::::::::: ( الفصل السابع ) :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
فى صباح الإثنين لم يكن علاء قادراً على البقاء فى بيته ، فخرج يتلمس طريقا الى شاطئ البحر ، وهناك توقف أمام مقهى "والى" الذى اعتاد فيما سبق أن يمضى فيه بعض الوقت ، وعلى مقعد صغير بأحد الزوايا التى تسمح له برؤية المارين بالشارع وقطاعاً من البحر ، جلس يرشف فنجانا من القهوة السادة بطعم المرار الذى يحسه فى حلقة .
أنهى فنجانه ليطلب فنجاناً آخر وهو يأمل لو زالت ، تلك الغشاوة الضبابية التى تلف عقله ، وكأنها قطع من ليل حالك السواد ، لا يظهر من بين ثناياها إلا النذر اليسير من الأحداث ، ليستبينه بشق النفس ، مشوها أحيانا ، ومنقوصا أحيانا أخرى .
جلس يحملق فى الناس الذين بدوا على غير ما كان يعرف . كان سلوكهم عصبياً قلقاً تعلو سحناتهم أحيانا بلادة مفاجأة لا يستقدمها شيئ . لم يصدق عينيه وهو يرى أثر الخمر على العديد من المارين بالشارع فى جماعات متفرقة ، تتعالى ضحكاتهم وهم يترنحون فى مشيتهم ، بعد أن ضاقوا بالحانات المنتشرة بشارع البحر ، أو ضاقت هى بهم ، فخرجوا يسكرون وسط الناس !
: أهؤلاء هم المصريون !
سأل نفسه فى حزن ليجيب ..
: إنهم ليسوا أهلى .. إنهم شيئ آخر . أنا أعرف الناس هنا .. ليسوا هم من كنت أراهم من قبل .. من كانوا يعيشون هنا منذ أيام لا يسكرون صباحا ، والشمس تضئ الكون !
عاد يتساءل ..
: تُرى .. أيكون هناك شيئ أظلم فى داخلهم فظنوه الليل ؟!
مالت رأسه على يديه يعتصرها بكفيه ، وكأنه يطلب أجابة لكل ما يسأله لنفسه ، وقد رأى الشر بشعاً ، والإثم عريانا ، والجرم منكرا .
*****************************************************
أفاق من سرحته وهو لا يرى ، كم من الوقت مضى عليه ، وهو على هذا الحال . كان شخصا لا يعرفه على طاولته ، يجلس بالمقعد المقابل له . ثيابه قذرة بالية ، وقد أطلق شعره ولحيته ، وارتدى حذاء ابيض اللون نظيفاً متألقاً ، لا ينسجم مع كامل هيأته . يضع ساقاً فوق أخرى ، كما يضع فوق عينيه نظارة سميكة العدسات ، توحى بضياع الجزء الأكبر من بصره . شيئ ما جعل علاء يشعر أن ما ضاع من بصر هذا الرجل لم يكن إلا فى السعى وراء حقائق الحياة بين الكتب ، وتأكد له ظنه وهو يرى أسفل إبطه مجموعة من الكتب ، بدت نظيفة متأنقة كحذائه ، وكأنها هى الأخرى ليست من صاحبها فى شيئ .
استأذنه الرجل بصوت جم الأدب ، فى أن يضع الكتب التى ينوء بحملها على المنضدة المشتركة بينهما ، فأومأ له علاء ، ليشكره ويبادؤه الحديث دون مقدمات وهو يجوس بنظرة خابية فى وجوه رواد المقهى .
: أنا قلت من زمان على اللى بحيصل دالوقت .. ومحدش صدقنى !
فأولاه علاء انتباهه وهو يقول ..
: قلت لمين ؟
: قلت للناس .. كل اللى قابلتهم كلمتهم .
: والناس سمعوا لك ؟!
: سمعونى .. لكن محدش فهم .. وحتى اللى فهم كان واحد من اثتين .. يا قادر يعمل حاجة ومش عايز ، يا عايز ومش قادر !
: وإنت عملت آيه ؟
: أنا مقدرش أعمل حاجة غير الكلام .
وقبل أن يستطرد علاء الكلام مع غريب الهيئة المتكلم بما يشبه الحكمة ، تقدم عامل المقهى يقدم له كوباً من الحلبة الحصى المغلية وهو يقول ..
: أتفضل يا عم فهيم .. طلب كل يوم .
تناول الرجل كوبه بيد ثابتة ، ورشف منه بصوت مسموع ، ثم التفت إلى علاء بعينين فاحصتين وقال ..
: شوف يا بنى .. اللى بيحصل النهاردة كان غيرى كتير عارفينه !
: ذى مين يا عم فهيم ؟!
: ذى اللى خططوا له .. وذى اللى فهموا وسكتوا ، لأنهم كانوا عايزينه يحصل من غير ماتيجى منهم ، وذى اللى فهوا وفضلوا السكات لأنهم خايفين ، أو مش قادرين يعملوا حاجة ، ومن وجهة نظرهم حسبوها لقوا طولها أد عرضها !
ابتسم علاء فى سخرية وهو يقول ..
: والوقت هنعمل إيه ؟
: فى الوقت ده منقدرش نعمل حاجة !
: اذاى ؟!
: الشر لازم ياخد مداه .. وقبل كده محدش هيقدر يعمل حاجة !
: إحنا لازم نقف للشر !
: بعد الريح الشديدة يابنى الشجر الصلب بينكسر ، ما بيفضلش حى ، غير الشجر اللى قدر يميل معاها .
: الناس بتعمل مصدات للريح مش بتسيبها !
: والمصد يا بنى لازم يكون أقوى من الريح عشان يقدر عليها .
: خلاص .. نبنيه كلنا .
: الناس ما تقدرش تبنى والريح هايجة .. العاقلين يبنوا قبل الهنا بسنة .. واللى ذينا هيبنوا لما تهدا الريح .. هيكونوا إتعلموا الدرس .
******************************************************
: إنت بتكلمنى بألغاز .. الريح حاجة والشر حاجة تانية ، إحنا مش هنبنى حيطة عشان نستنى لما الريح تهدا .
: الاثنين واحد يا بنى .. وطول بالك عشان تفهم ومتبقاش ذيهم . إحنا مش هنبنى جدران صحيح ، لكن هنبنى قلوب عمرانة بالإيمان ، والإيمان عايز جو هادى عشان يرعرع . هنبنى قلوب عمرانة بحب مصر والمصريين ، كل المصريين .. مصر اللى محدش عارف قيمتها من اللى بيهدوها بحماس غريب !
: ومحدش منهم عارف قيمتها ليه ؟!
: أصلهم بهايم .
: لكن أنت ليه بتربط الإيمان بحب مصر . الإيمان حاجة وحب مصر حاجة تانية . الإيمان سما وحب مصر أرض .
هز الرجل رأسه فى غضب كم مسه شيئ وأرتفع صوته بانفعال ..
: مين قال لك كدة ؟
: محدش .
: تبقى غلطان يابنى .. مصر هى الإيمان نفسه ، واللى يحبها لازم يكون مؤمن ، لأنه بإيمانه هيعرف قيمتها اللى معرفهاش البهايم . وكل مؤمن جواه جامع وكنيسة .
: المؤمنين دول بيقتلوا بعض النهاردة !
صرخ الرجل بغضب
: غلط .. إياك تاكل الطُعم .. القاتل واحد بس .. واحد مزيف قتل الاثنين .. خلى قلبك سليم وأنت هتعرفه .
أنهى الرجل عبارته الأخيرة ، وقام يرددها : " خلى قلبك سليم وإنت هتعرفه " . كأنه ممسوس تحضره اللوثة على فترات ، وإنصرف دون أن يلقى السلام .
*******************************************************
خرج علاء من مقهى "والى" لتستقبل أذنه صرخة طائر ، يأتى من العمران مترنحا فى الهواء ثم هوى إلى البحر ، وهو يصرخ كإنسان اشتعلت فيه النار ، ويجرى متلهفاً على الماء ليموت فيه .
تذكر الطائر الذى هوى بنفس الصرخة إلى مياه البحر ومنذ أيام قليلة ، وهو يتحدث الى إيمان أمام محطة الأوتوبيس ، وكأنه كان نذير شؤم يومها ، وعاد ينذر الناس مرة أخرى .
مشى على غير هدى وهو يتحاشى الاحتكاك بالسكارى المنتشرين ، يشاكسون المارة ويلقون إليهم بالسباب ، وحيثما كانت تسوقه قدماه كان يطاوعها .
اجتاز شريط الترام إلى " سوق شيديا" ، يدفعه شوقه لينظر حوانينه ومحلاته وباعة العربات . لم يكن هناك شيئ قد بقى على حاله ، وأثار الحرائق تبدو واضحة على بعض المحلات ، وبصمات الأعيرة النارية لا تخفى على عين !
أحس بحنين إلى عصير الخروب المتميز ، الذى اعتاد أن يشربه بتلك المنطقة ، وفى داخله كانت رغبة جارفة تدفعه إلى تفقد الشوارع ولمس الجدران بيده ، وكأنه يطمئن إلى أنها مازالت على قيد الحياة ، وأن نبضها لم يتوقف بعد .
كانت يملى عينيه من واجهات المحلات ، وكأنه يفقتقد الأسماء التى اعتاد قراءتها ، وحتى تسمر فى مكانه وهو لا يكاد يصدق ما يرى !
.. إنها أمامه !
.. إيمان .. نعم إيمان .. تنزل من سيارة أجره بصحبة عمتها ، مضت بخطوات ضعيفة تتحامل على عمتها ، وعلاء يتابعها حتى دخلا .
إلى أين ؟! إنها كنيسة "الأنبا تكلا" .
همس إلى نفسه يقول .. إن هذا أفضل ما فكرت فيه عمتها ، وقد وصل بها الحال إلى ما رأيتها عليه .
ألا تطمئن القلوب بذكر الله !
ألا تريحنا الصلاة من هموم الدنيا !
ألا تعزينا السماء .. وتعزياتها لكل المجروحين هى الأمل الحقيقى ، فى مواصلة الاحتمال رغم كل شيئ !
ترى .. هل أدخل لأطمئن عليها ؟!
لأراها بعض الوقت ؟!
ماذا لو ؟!
تردد علاء للحظات .. ولكنه قرر الدخول وهو يحدث نفسه ليكن ما يكون .. إنه بيت من بيوت الله .. وأنا لا أقصد شرا من دخوله .. أنا فقط أريد الأطمئنان عليها !
ومن الدهليز الخارجى للكنيسة ، دخل إلى الصالة الكبيرة حيث رائحة البخور تملأ الأجواء ، والترانيم تعلو ، يرددها الشعب بحماس ، وكأنها سيمفونية تقوى بها العزائم على مواصلة الحب .
كان الجميع يردد .. كرياليسون .. كرياليسون .. يا رب إرحم ..
**********************************************************
وقف بالصف الأخير ملاصقاً للحائط تبحث عيناه عن إيمان ، وحتى رآها بالصفوف الأولى ، ومن جهة الممر الفاصل بين جانبى قاعة الكنيسة والتى بدت وكأنها تتشح بالسواد ، بينما وقف الكاهن أمام المذبح مرتديا ثوبه الأسود ، وعلى جانبى المذبح كان الشمامسه يقفون بزيهم الأبيض وأوشحتهم الحمراء تحيط صدورهم ، والأناجيل بين أيديهم .
إرتفع صوت من بينهم يقول بنغمه حزينة .. فصل شريف من بشارة معلمنا متى البشير .
" ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه ، وإذا اضطراب عظيم قد حدث فى البحر ، حتى غطت الأمواج السفينة ، وكان هو نائما فتقدم تلاميذه وأيقظوه قائلين : يا سيد نجنا فإننا نهلك ، فقال لهم : ما بالكم خائفين ياقليلى الإيمان ، ثم قام وانتهر الرياح والبحر ، فصار هدوء عظيم ، فتعجب الناس قائلين : أى إنسان هذا ، فإن الرياح والبحر جميعاً تطيعه"
كان المجتمعون للصلاة يرفعون أيديهم ليرسموا علامة الصليب على صدورهم ويرددون عبارات باللغة القبطية لا يفهمها . سيطر على الكنيسة جو من الرهبة . وروح نشطة تسيطر على الناس ، وقد بدوا وكأنهم مصنوعون من أعصاب فقط .
شعر علاء أن الذى يقف إلى جواره ينظر إليه ويحدق فيه متعمداً إشعاره بذلك .
فالتفت إليه .. ليبادره الآخر مستفسراً ..
: أنت مسيحى ؟؟
: الحقيقة أنا !!
: لو سمحت تعالى معى لحظة ..
استسلم علاء وهو يخرج معه وهناك بدهليز الكنيسة كأن أحد رجال الدين ، كما بدا من هيئته يتجه إليهما فى هدوء ليسأله ..
: يا بنى لماذا دخلت إلى هنا ؟
رد علاء ..
: الحقيقة أنا لى صديق مسيحى حبيت أطمئن عليه ولكنى لم أجده !
: يا بنى كثير من الأخوة المسلمين يحضرون إلى الكنائس فى الأفراح والمآتم ، وحتى فى قداسات الصلاة ، مرضى كثيرون يأتون لطلب شفاعة القديسة مريم العذراء ونحن نرحب بهم ، فالكنائس مثل المساجد بيوت الله .. ولكن هذه الأيام ربما أساء فهمك البعض وتشككوا .. و ..
أدرك علاء مقصد الكاهن فقاطعه ليوفر عليه الجهد ..
: أدرك ما تعنى وأنا لم أقصد شرا بالمصلين ، أنا أسمى علاء محمد ، وتلك بطاقتى .
أبتسم الكاهن دون أن يطلع على شيئ وهو يقول ..
: أنا أصدقك .. ولنكمل التعارف .. أنا الأب "أرسانيوس عزيز" أرعى هذه الكنيسة ، وشعبها مع كهنة آخرين ، ولقد سعدنا بك وسأوصلك بنفسى حتى باب الكنيسة .
لم يجد علاء ما يرد به ، فمشى صامتاً وأصوات المصليين تعلو .. كرياليسون .. كرياليسون .. يارب أرحم .. وعلى الباب الخارجى للكنيسة كان الكاهن الودود ، بكثير من الطيبة والحزن والثبات ، يشدد على يده وهو يودعه ويتمنى للسلام أن يعود إلى أرضه التى هجرها .
**********************************************************
مضى علاء مضطرباً حزيناً مثقل الصدر لما أصاب المدينة الأمنة وسكانها وهو يردد .. " حتى دور العبادة لم تعد تشعر بالأمان"
لم يقطع سوى خطوات بشارع عبد المنعم سند ، المشهور باسم شارع "أوديون" ، حتى كان المؤذن بجامع "أبو بكر" القريب للكنيسة يؤذن لصلاة الظهر .. فأسرع الخطا للمسجد . توضا وصلى ركعتى التحية ، وما أن انتهى منهما حتى أقيمت الصلاة وبعد الفاتحة قرأ الأمام .
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ "
وإلى أن قرأ " وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "
كانت الكلمات تغزو القلوب وترسم معالم الطريق لمن ابتعدوا عن الصواب .
أحس علاء أن المصلين من حوله يرتقون بعيداً عن الأرض ، دعا الله من قلبه أن يؤلف بين القلوب ، ولكن سرعان ما عاد الجميع إلى الأرض وأركان المسجد تهتز لانفجار عنيف بدا وكأنه على مسافة ليست بعيدة . أسرع بعض المصلون بالصفوف الخلفية يخرجون من الصلاة ، ليغلقوا باب المسجد حتى يتمكن الآخرين من إكمال صلاتهم !
وأسرع الإمام الذى كان متأنياً فى الصلاة لينهيها على عجل ، وعقب الصلاة فتح باب المسجد ، وتعجل معظم المصلين الخروج ليطمئنوا على الدنيا من حولهم .
لم يشعر علاء بالرغبة فى ترك المسجد ، فجلس على مقربة من القبلة يقلب صفحات المصحف ، يبحث فى كلام الله عن هدأه النفس ، ليشحن روحه بما يقويها ويلهم نفسه الصبر ، ولم تمض لحظات حتى توقفت يده وشخصت عيناه وهو ينظر خلفه على صوت أنفجارات متتالية ، بدت وكأنها بداخل المسجد الذى اهتز وتطاير زجاجه هنا وهناك .
سمع أصوات بالخارج فهرول ليرى ما أصاب الآخرين . وأمام المسجد رأى جثث متناثرة ، وأجزاء من أجسام بشرية ، وأحد الجرحى يشير لأعلى العمارة المقابلة للمسجد محاولاً إخبار الآخرين أن القنابل القيت منها .
أصاب الفزع عمال المخبز القريب للمسجد ، وهم يصرخون على الجميع أن ينقلوا المصابين الأحياء بأى وسيلة إلى المستشفيات ، لأن عربات الإسعاف التى تنقل المصابين من كنيسة "الأنبا تكلا" ، بعد الانفجار الأول الذى وقع بها منذ قليل لا تكفى . أدرك علاء أن الانفجار الذى سمعوه أثناء الصلاة ، كان هو .
كانت حركة اسعاف المصابين لا تكاد تتوقف ، وجرحى الكنيسة والمسجد يمران من نفس الطريق إلى المستشفات القريبة .
كان البشر يتزاحمون .. وبدأ الجميع وكأنهم يترنحون من الصدمة .. وبدا جليا أن المنطقة تلتهب ، وأصوات الأعيرة النارية تتواصل من مسافات قريبة ، بطريق الحرية والحضرة القبلية ومنطقة مصنع "البيره" ومخازن الأهرام .
كانت الجموع غاضبة ، يقولون أن طريق الحرية قد توقفت فيه الحركة ، والمصابون يموتون داخل السيارت ، بسبب التصادمات التى وقعت بين السيارات المسرعة ، التى حاولت الفرار من منطقة ضرب النار .
أحس علاء أن المصاب الذى يحاول نقله مستعينا بأحد الموتسيكلات قد فارق الحياة .. بعد أن بدأ صوته يضعف ويفنى قليلاً .. قليلاً .. حتى انقطع تماما . تمنى لو كان بمقدوره أن يرسل شطر نفسه إلى كنيسة "الأنبا تكلا" ليطمئن على إيمان .. ودعا الله أن يحميها وألا يدع مكروها يصيبها .
كانت طلقات الرصاص تئز من حوله وهو يتعاون مع سائق الموتوسيكل ليضعا الرجل الذى حاولا أنقاذه بجوار سور المصنع ، وجريا يحتميان من طلقات الرصاص العمياء أسفل إحدى العربات ، التى أعطبتها وقتلت سائقها طلقات تحمل الموت دون تفرقه الى الجميع .
.......................................................................................................... د / محمد البكرى
* رقم الإيداع ( 7502 / 97 )
* الترقيم الدولى ( 7 - 0644 - 08 - 977 )
{ الإسكندرية - كازينو الشاطبى } ( تمت فى 13 / 3 / 1982 م )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق