............
حشاني زغيدي
............
الإسلام في أبعاده الكبرى
حين تحاول التجديف في عالم الأفكار، سوف تسبح في ساحة العقول الراقية،
تسبح في الفضاء الواسع، سوف تكتشف ذاتك الصغيرة التي تحتويها ملكوت الحقائق،
تكتشف أن الكون فسيح واسع لا حدود له، في فلكه تسبح الأشياء، في روعة ذلك الفضاء الواسع؛
حيث لا مكان للأقنعة الملوثة بزيف الأشياء المادة الفانية.
في عالم الأفكار يحلق الإنسان في عالم تبنيه القيم الإنسانية العليا، تبنيه الفضائل والأخلاق الفاضلة، تبنيه طهارة الروح وصفاء السرائر،
في عالم الأفكار تصبح الخامات والمواد مجرد وسائل خادمة، تصبح معدومة الأثر حين تنتهي مهمتها، كونها لا ترقى إلى مستوى عالم المثل.
لكل ما سبق يعمل الخصوم دائما حصارنا في الزاوية الضيقة، بمحاولة عزلنا عن قيمنا العقائدية، يريدون منا الانسلاخ الكلي،
انسلاخ مع كل ما يربطنا بأصلنا الحقيقي،
يردون عزلنا عن حقيقة وجودنا في الحياة، يريدون فصلنا عن انتمائنا الحقيقي، وحقيقة خلقنا مقررة بوضوح تام لا غموض فيه،
حقيقة أبدية ترسمها الآيات القطعية في القرآن الكريم.
يقول الله جل جلاله مخاطبا الإنسانية جمعاء بهذا النداء.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية 21 من سورة البقرة
وقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تبعدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}
من سورة هود الآية: 25-26.
حقيقة الإيمان
ليس في الوجود حقيقة تتمحور حول حياة الكائنات غير حقيقة الإيمان
يقول الشاعر في ذلك:
اللهَ قٌلْ وذَرِ الوجودَ وما حَوَي هل في الوجودِ حقيقةٌ إلاهُ
لهذا تدور حقيقة حياة الأسان المكرم تكليفا أن يصوغ الإيمان حياتنا كلها،
وفي هذا استوقفني حديث نبوي جامع يزاوج بين حقائق المعرفة و حقيقة العمل بمقتضى العلم و المعرفة
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات:
احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك
ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف»
(صحيح سنن الترمذي: 2440).
وتستمر التوجيه التربوي للإنسان إلى حقيقة أخرى لا تقل أهمية عن البعد العقائدي،
فالعقيدة التي لا تحركها صفاء الروح ونقاء السريرة، وتهذيب السلوك،
وتحصيل النفع العام لا تعدوا إن تكون عقيدة ترف وتجميع معارف إيمانية
ولا سبيل لتحصيل تلك التربية الروحية إلا المجاهدة بالوسائل المشروعة التي حددها الشرع،
ولا تكون إلا بتوفيق الله العبد لتهذيب النفوس وتزكيتها.
قال تعالى:
{قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}
[المائدة: 16]
وتتواصل حلقات تلك الحقيقة في أبعادها الإنسانية، كون الإنسان اجتماعي،
فالإسلام يبني العلاقة الإنسانية على أساس احترام آدمية الإنسان فيشرع له التواصل الاجتماعي،
تواصل قوامه التعارف الحقيقي، ومبدأه قبول الآخر والمشاركة النفعية الخدمية،
التي تعزز الأواصر الاجتماعية بين الشعوب، فالعزلة والفرقة والصراع العرقي أو الطائفي لا مكان له في النظام الاجتماعي في الإسلام،
بل المسلم يتواصل مع غيره في إطار أن رجوعنا لأصل واحد وأبوة واحدة،
تبنى تلك العلاقة الإنسانية على أساس التعاون والنصرة والاجتماع على ما يجمع ولا يفرق صمام أمانها الألفة والمحبة والتفاضل بالتقوى والعمل الصالح؛ وهما الأصل في حياة المسلم.
أخلاق الحرب في الإسلام تحفظ الأبعاد الإنسانية
وفي الحديث التالي مصداق ما قلناه وإن خص في حالة استثنائية تناولت موضوع الجهاد فالأصل الحياة السلم والعيش في كنف الأمن والسلام،
فإن أخلاق الحرب في الإسلام تحفظ الأبعاد الإنسانية في جميع جوانبها، فحروب الإبادة و التصفية لا يقرها الإسلام:
17591 (أَخْبَرَنَا) أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَنْبَأَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَمِيرُوَيْهِ، أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ،
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ:
أَنَّ أَبَا بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – بَعَثَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سفْيَانَ إِلَى الشَّامِ فَمَشَى مَعَهُ يُشَيِّعُهُ، قَالَ يَزِيدُ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ مَاشِيًا وَأَنَا رَاكِبٌ،
قَالَ: فَقَالَ: إِنَّكَ خَرَجْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنِّي أَحْتَسِبُ فِي مَشْيِي هَذَا مَعَكَ، ثُمَّ أَوْصَاهُ فَقَالَ:
لَا تَقْتُلُوا صَبِيًّا، وَلَا امْرَأَةً وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا، وَلَا مَرِيضًا، وَلَا رَاهِبًا، وَلَا تَقْطَعُوا مثْمِرًا،
وَلَا تخَرِّبُوا عَامِرًا، وَلَا تَذْبَحُوا بَعِيرًا وَلَا بَقَرَةً إِلَّا لِمَأْكَلٍ، وَلَا تغْرِقُوا نَحْلًا وَلَا تحْرِقُوهُ. (وَقَدْ روِيَ فِي ذَلِكَ) عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ممارسة الرياضة والسباحة والمشي
فإذا كانت هذه أخلاق الحرب فتخيل حياة السلم في كنف الإسلام
ويستمر الحديث عن الأبعاد الحقيقية للإسلام فهو منظومة قيمية، تتعامل مع النفس الإنسانية على أساس الفطرة،
فالنفس ميالة للجمال، ميالة للترويج والاستمتاع، فيأتي الإسلام فيقر ذلك، بل يعد ذلك من المباحات الفطرية، كالاستمتاع بالأكل والشرب،
واللعب وممارسة الرياضة والسباحة والمشي وممارسة رياضة ركوب الخيل والرمي،
بل والاستمتاع سياحة في ملكوت الله كلها من صميم الإسلام الذي لا يتعارض إطلاقا مع فطرة الإنسان وشواهد ذلك كثيرة مؤصلة يكفي عرض بعض الأمثلة فقط للاستئناس
ما روي في صحيح مسلم من حديث حنظلة- رضي الله عنه- وفيه قلت:
نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذالك؟»
قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا- (اشتغلنا بها، عالجنا معايشنا وحظوظنا)-
الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«والذي نفسي بيده إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة»، ثلاث مرات
من رغب عن سنتي
2- وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما-: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
«صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً»،
وفي رواية مسلم: «يا عبد الله بن عمرو: إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل، وإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونهكت، لا صام من صام الأبد».
3- وما روي عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا ذا الأذنين»، يعني يمازحه.
4- ما في الصحيح عن محمود بن الربيع- رضي الله عنه- أنه قال:
إني لأعقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو.
5- ما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر قالت: فسابقته فسبقته على رجلي،
فلما حملت اللحم، سابقته فسبقني فقال: «هذه بتلك» [رواه أبو داود]
6- وما عند مسلم عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:
المسلم يقصد بالترويح عن النفس التقوِّي
«والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
سترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم،
ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو».
يكفي المسلم استحضار نية التعبد والأجر:
وذلك بأن يقصد المسلم بالترويح عن النفس التقوِّي على واجبات العبادة وتجديد النشاط، حتى يكون ترفيهنا وترويحنا لا يخرج عن إطار مقاصد الشرع وأحكامه،
لأن المطلوب أن تكون حياتنا كلها لله تعالى، حتى قال بعض سلفنا الصالح: {إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب}
الأستاذ حشاني زغيدي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق