الأحد، 9 مايو 2021

 ..................

موسى غافل

...............



قصة طويلة
سندباديون
المقطع الثالث
* * *
كل هذا.. أدركه صديقه حمودي من قبل،الذي غادر أبوه أوّل الآباء .: أدرك : بأن الآباء يرحلون ، عبر طريق مستقيم، كالحبل، ينقلون أقدامهم عليه بحذر شديد، كي لا يخفقوا و يسقطوا في النار .حينها سأله ولودي:
ــ هل هناك نار ؟
قال حمّودي :
ــ كيف لا توجد نار ؟ هناك نار و هناك جنّة. من لا يحسن عبور النار إلى الجنّة ، سيقع و يحترق .
قال ولودي :
ــ ولكني لم أُشاهد الجنّة.. هل أخبرك أبوك عنها شيئاً ؟
قال حمودي :
ــ كان أبي عازماً على ذلك . وكنت أنتظره تلك الليلة. إذ وقف على عتبة الباب .. دعته أُمي أن يدخل فرفض . وقال لها :
ــ ( لماذا تزوجت؟ لماذا أنت عجولة؟ من الذي يعتني بولدي؟ وإذا رغبت المجيء لمن أجيء .. و أين أجلس ؟) ثم اختفى ، لذا لم يعد لدي الوقت أن أسأله. لكن اختفاءه أحزن أُمي، فبكت خلسة عن زوجها.. لم أدرك الأسباب بوضوح. لكن أُمي ذبحت ديكا من اجله. و أنا أكلت الجناح . أتعرف لماذا أكلت الجناح؟ لكي ينبت لي جناحين و يكون بوسعي أن أطير إليه في السماء .
قال ولّودي :
ــ وهل طرت؟
قال حمودي :
ــ إذا لم يعد.. سأطير إليه . أنا اعرف أنه زعلان من أُمي.. عندما طَلَبَت منه الدخول قال لها ذات مرة : ( لا أستطيع . هل بوسعك أن تعطيني ماءً بارداً ؟ ) .
تناولت إناءه ، و أخفته خلفها ، كي لا يشاهدها زوجها ، و أتت له بالماء. شرب و كان يبدو متلهفاً. و قالت : ( أتحتاج شيئا آخر؟ ) قال لها : ( كثّر الله خيرك. أحتاج فقط رؤية ولدي حمودي ).
حملتني إليه.. قبّلني و أنا نائم و مضى .
* * *
قال حمودي لولّودي:
ـ أترغب أن تشاهد أباك؟
قال ولّودي :
كيف أستطيع ؟-
التقط حمودي قعر زجاجة بيضاء. مسحها بثيابه.. و حدّق عبر شرخها. شاهد ألوانا قزحية و هتف :
ــ هــذه ألوان الجنة ...
اختطفها ولودي، و تبحّر عبر الجهة الحادّة. فتألّقت الألوان الساحرة. وتراءت له نهايات مفتوحة على أبواب خيّل له : إنها أبواب مشرّعة ، تنبعث منها حزم بألوان متعددة. فلاحت له مترامية. تمنّى أن توحي إليه ، بأجواء مبهجة. تتوالد الواحدة عبر الأخرى .
دأب حمودي : أن يحكي له عمّا يشاهده في اختلائه ، عن أطياف قزحية ، يجلس الآباء عبرها ، على أرائك بلّورية . يضعون في أفواههم مياسم ( الناركيلات ) ، كما يفعل الأغنياء . و يتحدّثون بانشراح . أرجلهم تتعامد الواحدة فوق الأخرى . يتحدّثون عن أُمور لا يفهمها لبعد المسافة . وفوق رؤوسهم عِروش الكروم . و الفواكه المتدلية . و من أمامهم تنساب المياه الرقراقة ، المترعة بما طاب من مذاق . و يرفلون بثياب زاهية. لم يشاهد حمودي مثيلاً لها . و الحدائق الغنّاء .. تكتسي فيها الفناءات .
أقسم حمودي : أنه شاهد كل ذلك.
قال ولّودي :
ــ إني لا أُشاهد ذلك . كلّما جرّبت : لا أُشاهد سوى الظلال الملوّنة .
قال حمّودي :
ــ اعطني الزجاجة .. كيف لا تشاهد؟... إنك إذا تمعنت جيدا.. ستشاهد كل شيء بوضوح. أترى؟ هأنذا أُشاهد أبي يتكئ على أريكة لوحده و يفكر بأمري . إنه حزين على ما آلت إليه حالي . و التفت حمودي إلى صديقه و قال :
ــ عندما كان حيّاً لم يطق فراقي. كلّما عاد من ساحات الحرب، كان أوّل ما يفعله : سؤاله عني : ( كيف أحوال و لدي العزيز ؟هل يأكل جيداً؟ لماذا لا يبدو سريع النمو؟لماذا ثوبه متّسخ؟) . ثم يقبّلني بين عينيّ و وجنتيّ . و في فمي و عنقي و يداي . وحتّى :
ــ... إني أخجل أن أقول .. أين يقبّلني أيضاً .. ثم يضمّني إلى صدره .
إنني أقسم بروح أبي العزيز : أن.. ليس هناك أباً يحب ابنه مثل أبي .إنه لا يشبه الآباء. بل إنه بعد رحيله إلى هناك ، طالما يأتي برداء أبيض من الجنة ومعه من ثمارها يستلقي جنبي دون أن يشاهده أحد فأقول له :
ــ لماذا أنت منشغل بي دائما يا أبي؟
لكنه لا يجيب سوى إني أرى عينيه تدمعان. فيستدير لكي لا أرى ذلك و يمضي .
موسى غافل
9نيسان 2002
يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق