...................
حشاني زغيدي
...............
العيد بعيون الأمل
نقولها بلغة اليقين ، كلما انحصر وباء الحقد و الكراهية و الخصومات و الغل و الاحتقار و الحسد و الكبر و المفاخرة و الطمع ، كانت النفس على موعد مع الطهارة ، فمعظم هذه الأوبئة ستختفي حتما إذا حلت نسمات الطهر في النفوس ، و العبودية أساس الطهارة . فكم من إعمال ترد على أصحابها و لا تقبل إذا افرغ العمل من ثمرة التقوى و إذا افرغ العمل من الإخلاص لله تعالى
قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27]، وقال سبحانه: {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} [التوبة:53].
أن لذة المشاق و التعب في أداء العبادات لها ثمار يذوق طعمها المجتهد ، فيحق له بعدها أن ينعم بطعم يجد لذته في قلبه ، و تلك بشرى المؤمن
قال ابن القيم: «السالك في أول الأمر يجد تعب التكاليف، ومشقة العمل لعدم أُنْس قلبه بمعبوده ، فإذا حصل للقلب روح الأنس زالت عنه تلك التكاليف و المشاق فصارت (أي الصلاة) قرة عين له، وقوة ولذة»[ كتاب مدارج السالكين ]. وقال ثابت البناني : «كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة»[كتاب وصفة الصفوة ]. وقال أبو يزيد: «سُقْتُ نفسي إلى الله وهي تبكي، فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك»[كتاب طريق الهجرتين ]. قال - تعالى -: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَـمَعَ الْـمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]. فإذا جاهد العبد نفسه هداه الله وسهل له الوصول إلى ما جاهد نفسه إليه.
فها هي فرصة العيد أقبلت فلنشرع الأبواب للحب و التغافر و المسامحة، و لنشرع الأبواب للتلاقي على الخير، فنرسم الابتسامات الصادقة في القلوب قبل الوجوه، فنعقد العزم على ترميم العلاقات التي باتت تشكو الوهن و الضعف ، فالعيد أحبابي فرصة لرسم الأمل المفقود في النفوس ، فالعيد فرصة لبعث الحياة في ظلال الإيجابية، الايجابية التي تبعث النشاط في النفوس التي فضلت العزلة و الخوف و الهروب السلبي..
إن الإيجابية التي نريدها تظل ملاصقة ملازمة لشجرة الحياة، لأن الإيجابية هي الشجرة الظليلة المورقة المثمرة، فالعيد بنظرتنا يسكن الألم، و يبعث في النفوس الحائرة شارات الأمل ، فالعيد يرسم طريق الخلاص ، الذي تكون بالعطاء ، يكون بحب الخير ، يكون بالسير في دروب استباق الخيرات .
فالعيد فرصة تملأ البيوت بالسعادة، تجعل من البيوت جنة ساحرة، فالعيد يجعل البيوت منبعث راحة و سكينة ، يجعل في كل ركن من أركانه مشروع حياة سعيدة .
إن العيد يرصد تلك النزعات السلبية، بل يكبلها بالأغلال، ليفسح المجال للنفوس السعيدة كشف الخير المدفون و المخفي. أغوار النفس الشاردة ، فالعيد فرصة لاكتشاف النور المنبعث من السماء ، لاكتشاف الجمال المحجوب عن العيون اليائسة .
إن العيد فرصة لطرد الهواجس السلبية، فنجعل من المرض طهارة، و من التعب في كسب الرزق جهاد، إن العيد في فهمنا فرصة لنجدد المواعيد لنرسم مستقبلنا المشرق، في ظلال طاعة الله ، نقبل على الصلاة و الدعاء، نقبل على المشاريع المربحة ، نرعى مشاريع الخير المتنوعة ، نفتح أبوابها المغلقة، نفتح أبوابها التي تنتظر روادها فالعيد يدعونا لنجدد العهد لعيشة السعداء.
الأستاذ حشاني زغيدي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق